
وصية عظيمة
وصية عظيمة
(يَا أَبَا ذَرٍّ، اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ… وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ)
إنها ليست وصية لتنظيم الوقت فحسب، بل هي وصية لفهم حقيقة الحياة.
فالإنسان لا يملك من الدنيا إلا اللحظة التي هو فيها، أما الأمس فقد صار في صحيفة عمله، وأما الغد فهو في علم الله، وليس بين يديه إلا هذا اليوم، فإن عمره بالطاعة كان ربحًا، وإن أضاعه بالغفلة كان خسرانًا.
فالفرص لا تبقى، والنعم لا تدوم، والعمر يمضي في هدوء حتى يفاجئ صاحبه بانقضائه. وما أكثر من كان يؤمل أن يعمل غدًا، فأدركه أجله قبل أن يدرك غده.
ومن أعظم ما يبتلى به الإنسان طول الأمل؛ فإنه يزين له التأخير، ويقول له: ستتوب لاحقًا، وستصلح نفسك لاحقًا، وستكثر من القرآن لاحقًا، وستبر والديك حين يتسع وقتك، وستصل رحمك حين تخف أشغالك، حتى تنقضي السنون، فإذا هو لم يقدم شيئًا إلا الأمنيات.
وقد كان أهل البيت عليهم السلام يحذرون من هذه الغفلة؛ لأنهم كانوا ينظرون إلى العمر على أنه رأس مال لا يعوض.
وكان الإمام السجاد عليه السلام يعلم أصحابه أن يعيشوا يقظة القلب، فيقول في دعائه: «وعمّرني ما كان عمري بذلةً في طاعتك، فإذا كان عمري مرتعًا للشيطان فاقبضني إليك.» فهو لا يسأل طول العمر لذاته، وإنما يسأل العمر الذي يقربه إلى الله، لأن قيمة الحياة ليست بعدد سنواتها، وإنما بما امتلأت به من طاعة وإخلاص.
ولذلك لم يكن الصالحون يقيسون أعمارهم بالأيام، وإنما بالعمل. فقد يعيش الإنسان ستين سنة لا يبقى منها إلا القليل، وقد يعيش آخر نصف ذلك، ثم يترك من آثار الخير ما يبقى أجره إلى يوم القيامة.
إن أخطر ما يضيع العمر ليس كثرة الأشغال، بل الغفلة. فقد يكون الإنسان فارغًا وقلبه مشغول بالله، فيربح عمره، وقد يكون مشغولًا بين الناس وقلبه غافل، فيخسر وهو لا يشعر.
وما أكثر ما تُستهلك أعمار الناس اليوم في أمور لا تزيدهم علمًا، ولا تزكي نفوسهم، ولا تقربهم من ربهم. تمضي الساعات في اللهو، وتتتابع الأيام في الانشغال بما لا ينفع، حتى يصبح الماضي أثقل من أن يعود، والعمر أقصر من أن يُستدرك كله.
ومن عرف الله، هانت عليه الدنيا، ولم يغتر بطول الأمل. يعلم أن كل صباح هو نعمة جديدة، وأن كل ليلة قد تكون آخر ليلة من عمره، فيجتهد أن يلقى الله بقلب سليم، وعمل صالح، وحقوق مؤداة، وخلق حسن.
فلا تؤجل التوبة، فإنك لا تملك الغد.
ولا تؤجل إصلاح قلبك، فإن القلوب إذا طال عليها الأمد قست.
ولا تؤجل بر والديك، فإن الأيام لا تعيد الراحلين.
ولا تؤجل الصدقة، ولا صلة الرحم، ولا الإحسان إلى الناس، فإن أبواب الخير إذا فُتحت لعبد فذلك من توفيق الله له، فليغتنمها قبل أن تغلق.
وتذكر دائمًا أن العمر ليس ما مضى من السنين، وإنما ما بقي لك لتتزود به للقاء رب العالمين
لا تؤجل بناء نفسك، ولا تنتظر زمنًا مثاليًا للطاعة والعلم والعمل الرسالي، بل ابدأ بما تستطيع الآن.
فرب ساعة استثمرتها بصدق كانت سببًا في صناعة مستقبلك عند الله وفي حياتك وحياة الناس..
ودمتم بخير
أبو يقين


