
البصيرة
البصيرة
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:
«أَلَا إِنَّ أَبْصَرَ الْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ، أَلَا إِنَّ أَسْمَعَ الْأَسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذْكِيرَ وَقَبِلَهُ».
هذه الكلمات المضيئة لا تتحدث عن الحواس بوصفها أدواتٍ جسدية فحسب، بل تكشف عن حقيقة أعمق في الإنسان؛ وهي أن قيمة البصر ليست في مجرد النظر، وإنما في توجيه النظر نحو الخير، وأن قيمة السمع ليست في وصول الأصوات إلى الأذن، بل في وعي القلب لما يسمعه وقبوله والعمل به.
إن الشخصية المتزنة هي الشخصية التي تمتلك حسًّا واعيًا بما يدور حولها، فتقرأ الأحداث بعقلٍ متبصر، وتستقبل المواقف بقلبٍ يقظ، وتتعامل مع نفسها والآخرين على أساس من الفهم والشعور والمسؤولية. فالإنسان في جوهره ليس كائنًا ماديًا فحسب، بل هو كائن شعوري وروحي، تتشكل مواقفه وسلوكياته بحسب ما يحمله من وعي وإحساس.
ومن هنا يربط أمير المؤمنين عليه السلام بين الإدراك والنتيجة؛ فـ«أبصر الأبصار» هو البصر الذي ينفذ إلى مواقع الخير، فيرى الحق حقًّا فيتبعه، ويرى الفضيلة فيسعى إليها، ويرى حاجات الناس وآلامهم فيتحرك لخدمتهم. أما النظر الذي يقف عند حدود المظاهر والشهوات والمصالح الضيقة فليس من البصيرة في شيء، وإن امتلك صاحبه حدة النظر وقوة الإدراك الظاهري.
وكذلك «أسمع الأسماع»؛ فليس هو الأكثر سماعًا للكلام، بل الأكثر انتفاعًا به. إنه الذي يصغي للنصيحة بإنصاف، ويستوعب التذكير بعقلٍ حاضر، ثم يقبل الحق إذا تبين له، ولو خالف هواه أو عادته أو مصلحته. فكم من إنسان يسمع المواعظ والخطب والآيات، ولكنها لا تتجاوز سمعه، لأن قلبه لم يتهيأ للقبول، بينما قد تهز كلمة صادقة قلبًا حيًّا فتغيّر مسار حياته كلها.
ومن أجل أن نكون من أهل البصيرة حقًّا، لا بد من مراقبة النفس ومحاسبتها باستمرار. وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «أبصر الناس من أبصر عيوبه». فالبداية الحقيقية للإصلاح أن يرى الإنسان تقصيره قبل أن ينشغل بتقصير الآخرين، وأن يكتشف مواطن الضعف في نفسه ليعالجها، فإن من عرف عيوبه سهل عليه إصلاحها، ومن جهلها بقي أسيرها وهو يظن أنه على صواب.
ولقد ابتُليت الأمة عبر تاريخها بفقدان هذه البصيرة، وبالنفور من النصح والتذكير. فمنذ عهد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، واجهت الرسالة أناسًا سمعوا الحق ولم يقبلوه، ورأوا الدليل ولم يتبعوه، واستمر هذا الابتلاء مع الأنبياء والمصلحين والقيادات الرسالية في كل عصر. فكم من دعوة إلى العدل والفضيلة حوربت بسبب التعصب أو الهوى أو حب الدنيا، وكم من فساد بقي قائمًا لأن الناس لم يريدوا أن يبصروا حقيقته.
وفي المقابل، فإن ما ميّز أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام الخُلَّص، وكذلك أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، أنهم كانوا على بصيرة من أمرهم. لم يتحركوا بدافع العاطفة العابرة أو المصلحة المؤقتة، بل تحركوا عن وعيٍ بالحق ومعرفةٍ بالطريق. كانت قلوبهم واعية للتذكرة، وأسماعهم مفتوحة للهدى، وأبصارهم نافذة إلى ما وراء الظواهر، ولذلك ثبتوا حين تزلزل غيرهم، وضحّوا حين تراجع الآخرون.
إن حاجتنا اليوم إلى البصيرة أشد من أي وقت مضى؛ فتنوع الأفكار، وتسارع الأحداث، وكثرة المؤثرات، قد تجعل الإنسان عرضة للالتباس والانخداع إذا لم يمتلك ميزانًا يهتدي به. وهذا الميزان نجده في منهج أمير المؤمنين عليه السلام؛ في عدله، وحكمته، وزهده، ونظرته إلى الإنسان والمجتمع، وطريقته في معالجة المشكلات ومواجهة الانحراف.
فالبصيرة لا تُمنح بلا سعي، بل تُكتسب بالاستماع الواعي، والتفكر، ومراجعة النفس، والارتباط بالقرآن وأهل البيت عليهم السلام، والعمل بما نعلم. فإذا اجتمع صدق الطلب مع صفاء القلب، فتح الله للإنسان أبواب الفهم والهداية، فيصبح ممن يبصرون فيعتبرون، ويسمعون فينتفعون، ويهتدون فيهدون غيرهم إلى طريق الخير والفضيلة.
أبو يقين


