
في البكاء السكون
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين.
السّكِينة بعد الجَزَع
من منَّا لا تنْهمِلُ عيْنهُ بدموعِ حُزْنٍ صادقةٍ، وحرقةِ قلبٍ على الفاجعةِ، وانْكِسارِ نفسٍ لهولِ الواقعةِ في كلِ لحظةٍ يتذكرُ فيها ما وقعَ على الإمام المعصومِ والشهيد المظلوم والسبط المهضوم أبي عبد الله عليه السلام؟!.
فما بالُ تلك الدموع بعد انسكابها تسكُن في محاجرها؟!. وما بالُ تلك النفوس بعد جزَعِها تطمئنُّ ويهدأ حالها؟!. وما بالُ تلك القلوب بعد انكِسارها تراها عادت لسابقِ عهدها؟!.
حالةٌ غريبة ينبغي أن نتوقفَ عندها لنتأمل ما وراءها، لعلَّنا نصل إلى حكمة فيها، أو نكتشف عبرة من ورائها، أو موعظة بين طياتها، أو درس من دروسها.
ولعل فيها أسرارًا يهدينا الله سبحانه وتعالى من خلالها لأمر مهم، وأكثر من ذلك ما إن تفكرنا وتدبرنا فيها.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن في كل شيء موعظة وعبرة لذوي الألباب والاعتبار.
وقال الإمام الكاظم عليه السلام: ما من شيء تراه عينك إلا وفيه موعظة.
إنَّ حياةَ الحسين عليه السلام كانت وما زالت سرًّا من أسرار الله سبحانه وتعالى، من أول قطرة دمع طاهرة سُكبت عليه من رسول الله صلى الله عليه وآله، حينما أخبره الله سبحانه وتعالى عن مولود له وما يجري عليه من ظلم وقتل وتنكيل وحتى آخر قطرة دم سُفكت في طريق الحسين ونهضة الحسين ورسالة الحسين عليه السلام، إلى قيام القائم من آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
وهذه كربلاء الحسين عليه السلام حينما سَقَطَ الحسينُ على أرضها ومُزِجَ دمُهُ الشريف بتُرابها وأحيت دموعه خلودها نابضة بالحكمة في دروسها والعبرة في صفحاتها فصارت مدرسة على مرِّ التاريخ أعطت وعلمت وحررت من تصفح ما جرى من أحداثها ومواقفها وعرف صدق رجالها وتأمل صبر نسائها وعظمة أطفالها، تعلّم بهم ومنهم الصدق والوفاء والإخلاص والتسليم واليقين والعطاء .. فبانت قدرة الله في نصرة المظلوم على الظالم، ونصرة الحق على الباطل، ونصرة الصدق على الكذب والزيف والخداع. بل أعطت أكثر من ذلك بكثير وما زالت تعطي.
إنَّ لهذه الحالة المتناقضة في ظاهرها انسجامًا في باطنها، حالة من التوافق والوئام بين لحظات الحزن والجزع والدموع إلى حالة السكون والسكينة.
تهدأ النفس حينما ينكشف الكرب وتقر العين حينما ينتصر الحق وتطيب النفوس حينما تسلم الأمر لربها ومدبر أمورها.
قال أبو عبد الله عليه السلام: لما قتل جدي الحسين عليه السلام ضجَّت عليه الملائكة إلى الله تعالى بالبكاء والنحيب وقالوا : إلهنا وسيدنا أتغفل عمن قتل صفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك، فأوحى الله عز وجل إليهم: قرّوا ملائكتي، فوعزّتي وجلالي لأنتقمنَّ منهم ولو بعد حين، ثم كشف الله عز وجل عن الأئمة من ولد الحسين عليه السلام للملائكة، فسرَّت الملائكة بذلك، فإذا أحدهم قائم يُصلِّي، فقال الله عز وجل: بذلك القائم أنتقم منهم.
وفي حديث آخر قال أبو عبد الله عليه السلام: لما كان من أمر الحسين بن علي ما كان ضجت الملائكة إلى الله تعالى، وقالت: يا رب يفعل هذا بالحسين صفيك وابن نبيك؟ قال: فأقام الله لهم ظل القائم عليه السلام، وقال: بهذا أنتقم له من ظالميه.
لقد ضج ملائكة الله بالبكاء والنحيب من وقع ما جرى على الحسين عليه السلام، لقد شاهدوا أمرًا عظيمًا وخطبًا جسيمًا ومصابًا جللًا لا نتحمل أن نتصوره كما كان. وكيف يمكن لنفس أن تقر مكانها لو رأت ما جرى على ابن بنت رسول الله؟!.
هل هذا يعني أنه لو لم يسكن الله بكاء الملائكة ونحيبهم بإقامة ظل القائم لهم لما سكن بكائهم على الحسين عليه السلام؟!.
ربما نعم، لعلمهم بمنزلة الحسين وفضله ومقامه عند الله ولمشاهدتهم ما جرى عليه من أمر عظيم وخطب جسيم ولكان بكائهم شاغلًا عن علة خلقهم وهي كما ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام في وصفه للملائكة: ثم فتق ما بين السماوات العلا، فملأهن أطوارًا من ملائكته منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافّون لا يتزايلون ومسبحون لا يسأمون،لا يغشاهم نوم العين،ولا سهو العقول، ولا فترة الأبدان،ولا غفلة النسيان. [نهج البلاغة]
ولكن الله سبحانه وتعالى سكَّنَ بكاء الملائكة على الحسين صلوات الله عليه بإقامة ظل القائم من آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين،وأخبرهم أنَّ بهذا القائم ينكشف الكرب، وبه ينتصر الحق ويزهق الباطل، وبه يؤخذ الثأر وترفع راية الحسين عليه السلام، فتقر الأعين وتطمئن القلوب وتهدأ النفوس ويعودوا لما كانوا عليه من العبادة والتسبيح والتقديس.
إذًا بالقائم من آل محمد عجل الله فرجه الشريف، جعل الله الملائكة يستقر حالها بعد أن ضجت بالبكاء والنحيب لله تعالى على الحسين ومصابه العظيم. والملائكة أيضاً سلموا أمرهم لله فطمأنت نفوسهم.
والسؤال: بماذا جعل الله دموعنا تكف سريعًا وتسكن في محاجرها؟!. ما الذي جعل نفوسنا بعد جزعها تطمئن ويهدأ حالها؟!. وما الذي أعاد قلوبنا بعد انكسارها لسابق عهدها؟!.
هل لعدم انشغالنا بالبكاء عن ما خلقنا الله له؟. قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدونِ). أم لكي لا تزهق نفوسنا؟. أم لسبب آخر نجهله؟.
ربما بعقيدتنا التي نعتقدها في القائم صلوات الله عليه؟. وأنه الآخذ بالثأر ورافع راية شعارها (يا لثارات الحسين)؟. فهذا وعد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آل بيته الأطهار.
قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: فلو لم يبق في الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم ليخرج (ولد من ولدي اسمه اسمي، حتى يملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا).
ولكني ما زلت أعتقد أنه سر من أسرار الله في الحسين الشهيد عليه السلام ربما نحتاج لأكثر من التأمل للوصول إليه. وربما أكثر ما نحتاجه التوفيق والتسديد من الله العالم بكل شيء.
والحمد لله رب العالمين
أبو يقين


