ثورة الكلمة
غير مصنّف١ يوليو ٢٠٢٦

ثورة الكلمة

وما رُوَّج للفساد الفكري والأدبي والثقافي إلا بكلمة، وما تنافر الخلق وانتشر الحسد والبغض إلا بكلمة !! ومن هنا تبرز أهمية الكلمة ودورها وتأثيرها في حياة الفرد والمجتمع ..

حجم النص:
شارك:

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين.

 

قال الله تعالى

 

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ  تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ)

 

 يُعْتَبَرُ تحديدُ نوعِ الكلمةِ في الاستعمالِ اللغويّ أمراً هاماً ، لأنّ من شأنِه أن يُوضِحَ أثرَ الكلمةِ في غيْرِها من الكلامِ الواردِ في جُملَتِها ، كما يُبَيّنُ أثَرَ غيرِها من الكلماتِ فيها ، من خلالِ انتظامِ كلِّ كلمةٍ في الجملةِ أو في الكلامِ .

 

ولذى جاء تعريف الكلام بذلك من خلال معنيان

 

لِـلَفْظِ (الكلامِ) معْنيَانِ:

 

أحدُهمَا: لُغويٌّ.

والثّانِي: نحويٌّ.

 

أمَّا الكلاَمُ اللُّغويُّ: فهُوَ عبارةٌ عمَّا تحصُلُ بسببهِ فَائِدَةٌ، سواءٌ أَكانَ لفظاً، أمْ لَمْ يكنْ، كالخطِّ والكتابةِ والإشارةِ.

 

وأمَّا الكلاَمُ النّحويُّ: فلا بُدَّ مِن أن يجتمعَ فيهِ أربعةُ أمورٍ:

الأوَّلُ: أن يكونَ لفظاً.

والثَّاني: أن يكونَ مركَّباً.

والثَّالثُ: أن يكونَ مفيداً.

والرَّابعُ: أن يكونَ موضوعاً بالوضْعِ العربيِّ.

 

ومعنَى كَونِهِ لفظاً: أن يكونَ صَوْتاً مشتمِلاً عَلَى بعضِ الحروفِ الهجائيَّةِ التي تبتدئُ بالألفِ وتنتهي بالياءِ.

 

ومعْنَى كونِهِ مُركَّباً: أن يكونَ مؤلَّفاً مِن كلمتينِ أوْ أَكْثَرَ،

 

ومعْنَى كونِهِ مفيداً: أن يَحْسُنَ سكوتُ المُتكلِّمِ عَلَيْهِ، بحيْثُ لا يبْقَى السَّامعُ منتظِراً لشيءٍ آخَرَ.

 

ومعْنَى كونِهِ موضوعاً بالوضْعِ العربِيِّ: أن تكُونَ الألفاظُ المُستعمَلةُ فِي الكلاَمِ من الألفاظِ التي وَضَعَتْهَا العربُ للدَّلالةِ عَلَى معْنًى من المَعانِي.

 

 كما أن هناك فرق بين المعنى اللغوي، والاصطلاحي، فالأوّل يطلق على المعنى الذي استعملته العرب للكلمة،

 

والثاني يقصد به المعنى الذي اصطلح أهل فن معين على إعطائه لتلك الكلمة، فالصلاة -مثلا- في المعنى اللغوي الدعاء، وفي المعنى الاصطلاحي الشرعي عند أهل الشرع العبادة المعروفة، وقد عرفها الفقهاء بأنها: عبادة ذات أقوال وأفعال مخصوصة

 

 لذلك التعريفات الشرعية للكلمة أخص من التعريفات اللغوية، أي: أن التعريفات اللغوية غالباً تكون أعم وأوسع من التعريفات الشرعية

كالصلاة في المثال السابق

 

ولذلك اهتم العلماء بالمعنى اللغوي للكلمة مع المعنى الاصطلاحي لأجل معرفة الارتباط بين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي؛ حتى يتبيَّن أن المصطلحات الشرعية لم تكن خارجة عن نطاق المعاني اللغوية خروجًا كاملاً؛ بل هناك ارتباط

 

فإن الكلمة قضية شأنها عظيم وخطرها جسيم ، بها يدخل المرء في دين الله فيحرم ماله وعرضه بالنطق بالشهادتين ، وبمثلها يباح دمه،  وما انتشرت دعوة الحق ووحي السماء إلا بكلمات القرآن المجيد،

 

ولا يكون الزواج والطلاق والبيع والتجارة بين الناس إلا بكلمة ..

 

وما رُوَّج للفساد الفكري والأدبي والثقافي إلا بكلمة، وما تنافر الخلق وانتشر الحسد والبغض إلا بكلمة !!

ومن هنا تبرز أهمية الكلمة ودورها وتأثيرها في حياة الفرد والمجتمع ..

 

فالكلمة نعمة ميز الله بها الإنسان عن سائر المخلوقات بالكلمة المفهومة ، وأمرنا بحسن انتقائها واستخدامها

 

 وقوله سبحانه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب:70-71].

 

وجعلها الله سبحانه ضابط الحسنات والسيئات إلى جانب الفعل والإرادة وجعل عليها رقيبا ليميز بها المصلح من المفسد .

   (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )

 

إن  للكلمة تأثير في النفس، ولذلك نرى كيف قدَّم الله ذكر الكلمة الطيبة على الصلاة التي هي عماد الدين، في خطابه لبني إسرائيل: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ) [البقرة: 83].

 

ولفظ (الكلمة) ورد في القرآن الكريم في خمسة وسبعين موضعاً، جاء في واحد وخمسين منها بصيغة الاسم، من ذلك قوله تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} (الأنعام:115)، وجاء في أربع وعشرين موضعاً بصيغة الفعل من ذلك قول الله عز وجل: {ولا يكلمهم الله يوم القيامة} (البقرة:174).

 

وكذلك الروايات الوردة في خصوص الكلمة وجدت ما يقارب المائة او يزيد من الروايات الوردة عن الامام علي عليه السلام في  شأن الكلمة والكلام

 

كثير من الناس يجهلون تأثير الكلمة على الآخرين، فالكلمة الطيبة قد تكون سبباً في هداية إنسان أو سعادة آخر، وقد تكون الكلمة الخبيثة سبباً في أغواء الآخرين أو شقائهم

 

كذلك يجب أن نعلم أن كل كلمة تترك أثراً في النفوس وكم لها من وقع عظيم في القلب فهي أساس متين تبني عليه علاقة الحب والمودة والرحمة بين افراد المجتمع فكم من مودة استجلبت بها وكم من عداوة وئدت بها.! 

 

قال أمير المؤمنين عليه السلام

 

رُبَّ فتنةٍ أثارها قول

من لانت كلمته وجبت محبَّته

 

لذلك الكلمة تؤثّر فينا كثيرا ،، تمسُّنا في العمق ،، 

لكن ،،درجة تأثير الكلمة فينا ،، تعود إلى ثلاثة أمور أساسية وهي

 

طبيعة الكلمة في حدّ ذاتها ،،

و إلى قائلها ،

و إلى المقام الذّي قيلت فيه ،،

 

و لو بحثنا داخل النفس البشرية، لوجدنا أن هــذه الكلمات المؤثرة تأثيرا إيجابيا لا تخرج من النفوس الضعيفة، بل منبعها هو النفس الحكيمة القادرة على اختيار كلماتها. فهي كلمات لا تنبع سوى من الأشخاص الواثقين بالله ثقة تنعكس على أنفسهم، وتصرفاتهم بما يرضي الله وهم الذين يعرفون مفهوم الكلمة وتأثيرها على النفس البشرية ايجابا وبالعكس بالنسبة لمن يريد الفساد والافساد في المجتمع. 

 

قال الإمام علي ( عليه السلام ) : مغرس الكلام القلب ، ومستودعه الفكر ، ومقومه العقل ، ومبديه اللسان ، وجسمه الحروف ، وروحه المعنى ، وحليته الإعراب ، ونظامه الصواب .

 

لقد تعددت الطرق والسبل في حياة الأئمة المعصومين صلوة الله وسلامه عليهم  ومعالجتهم لمسألة الإصلاح في المجتمع وكلا حسب الوضع الإجتماعي والسياسي والثقافي وغيره وفق  الظروف انا ذاك ، وختلفت الأدوار ولكن الهدف واحد

 

وكان عصر الإمام زين العابدين عليه السلام تسوده قسوة النظام وشدته وفساده وابتعاد الأمة عن أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم

 

فكان لابد من التوفيق بين أمرين

الاول :  إصلاح الأمة

والثاني : نشر الرسالة النبوية وإرساء قواعد المدرسة العلوية

 

فتوجه عليه السلام الى التأثير من خلال الكلمة فإن الإمام لم يغفل عن هذا الجانب بل كان عالماً ومدركاً لتأثير الكلمة في الفرد ودورها البارز في إصلاح المجتمع وكان من خلال كلماته يتولى المواجهة والتصحيح في المجتمع وقد كانت البداية في الشام حيث تفعيل دور ثورة الكلمة التي قد أثرت تأثيراً أكبر من قعقعة السيوف وطعن الرماح ، فيقف الإمام  في مجلس يزيد مسفّهاً الدعاوى الاَموية التي حاولت تشويه نهضة الحسين عليه السلام، وتزييف أهداف ثورته , فيروح مندّداً بالعصابة التي حرّفت الدين بما يناسب أهوئها السياسبة والاقتصادية وغيرها ويضع أُولى العناوين العريضة في المسيرة التبليغية من خلال ثورته المباركة التي كان شعارها الكلمة البليغة 

 

إن للكلمة لفظا ومفهوما ومصداقا ولقد اعمل الامام عليه السلام بالالفاظ البليغة مفهوم الكلمة لدى المجتمع اناذاك والتي انتزعها من حقيقة الاشياء المحيطة بالمجتمع الى ان انتقل بهم في مراحل متقدمة ليريهم مصاديق الكلمة وتأثيرها في المجتمع الموالي منهم والمعادي

 

ولقد تكلم الإمام زين العابدين (عليه السلام) بكثير من الكلمات القيمة، والتعاليم الرفيعة التي انبعثت عن درايته الكاملة لواقع الكلمة في حياة الانسان ومعرفته بالمجتمع وتعمقه في شؤونه الاجتماعية، وخبرته بأحوال الناس، وأمورهم، فوظف كل ذلك من خلال الكلمة البليغة

 

 وقد عالج الإمام (عليه السلام) الكثير من الآفات  بكلمات نورانية خلدها التاريخ ومن ضمن هذه المعالجات نراها بينة في كلمات دعاء مكارم الأخلاق ورسالة الحقوق وغيرها معالجا بها الآفات الَتِي قد جعلت الإنسان يسلك في المنعطفات، وأغرقته في الآثام، وأبعدته عن طريق الحق

 

و كان دور الإمام السجاد عليه السلام قيادة المشروع لاحياء الشريعة الاسلامية  بالارتقاء بمهمته الرسالية من خلال مدرسة علمية كبيرة ارسى قواعدها في  المدينة المنورة

كانت مدرسته تعجّ بكبار أهل العلم يحملون عنه كلمات العلم والاَدب ، وينقلون عنه الحديث وعلوم الشريعة من تفسير القرآن الكريم والعلم بمحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وأحكامه وآدابه ، والسُنّة النبوية الشريفة روايةً وتدوينا

كان على الامام عليه السلام أن يُلفت الاَنظار إلى امور كثيرة اختلطت على المسلمين اناذاك وكان عليه أن يجذّر لمفاهيم ومصاديق الكلمة الطيبة البليغة في عقول وضمائر الجماعة المؤمنة التي يُراد لها أن تساهم في حفظ الاِسلام عقيدةً ونظاماً ، شريعةً ومنهاجاً من خلال الكلمة لكي يقوموا بواجبهم في المجتمع لتُجنى ثمارها على مر العصور أيمانا بتأثير الكلمة وإيمانا بقوله تعالى

 

 تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا

 

وما أجتماعنا العلمي اليوم  ( واركز على كلمة العلمي )  إلا أحد مصاديق هذه الثمار لتلك الشجرة التي غرسها أهل البيت صلوة الله وسلامه عليهم وأروى جذورها الإمام زين العابدين من خلال كلماته التي توتي أكلها كل حين ومصادق أخر حينما نرى صدى كلماتهم البليغة على مر العصور باقية مؤثرة في بناء الفرد والمجتمع

 

وحينما نقرأ كلمات أهل البيت  ونستلهم العبر من كلماتهم فهذا يعني إننا قريبون منهم وإن كنا لا نرى أشخاصهم ونعيش في غير عصرهم فهذا مصداق اخر أما من لم ينهل من معين علومهم فهو في خسران مبين لأنه لم يتعرف عليهم ولم يعرف قدرهم وعظمتهم

 

استطاع الامام عليه السلام الانتصار من خلال ثورة الكلمة واستطاع ان يثير بها دفائن العقول لكي يعيد الامة الى محورية الاسلام ومنهجية الرسول واهل البيت صلواة الله عليهم مما ادى الى استنفار اعداء الدين الى ضرب ثورته المباركة التي قد تطيح بعروشهم حتى اقدموا على اغتيال الامام صلوة الله عليه

 

نعم نهض الامام من ارض كربلاء بثورة في وجه المفسيدين في الأرض وكان عنوانها الابرز هي الكلمة الكلمة التي غيرت الموازين ولم يستطع اعداء الاسلام والمسلمين مواجهة هذه الثورة التي كانت رايتها إصلاح الفرد والمجتمع ووصل صداها إلى يومنا هذا

 

وبهذا استطاع الإمام عليه السلام أن ينير الطريق   للأمة من جديد من خلال كلماته النورانية على طريق الرسالة المحمدية ومنهج المدرسة العلوِية وكانت ثورة الكلمة هي السيف الصارم لقطع دابر الشيطان الرجيم وأعوانه المارقين الفاسدين المفسدين وإحياء شريعة الدين

 

ومن هنا تأتي قناعتنا بضرورة إعداد جيلا واعيا فقيها متفقها في مدرسة أهل البيت يحمل  رسالة الكلمة المقدسة كلمة ضرب الله تعالى بها المثل في القرآن الكريم بالشجرة الطيبة التي تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا

 

كلمة توضع في ميزان دقيق قبل ان تخرج من افواهنا ميزان في كفتيه رضى الله سبحانه وتعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح أنفسنا والمجتمع والكفة الأخرى بيان الانحرافات المترسبة في المجتمع جراء الثقافات الباطلة والدخيلة على المنهج الإسلامي الذي أرسى قواعده أهل بيت العصمة ومحاربة الفساد والمفسدين في الأرض وكل ذلك من خلال منهجية الكلمة التي أرسى ثقافتها الإمام زين العابدين عليه السلام على خطى الرسالة المحمدية وانطلاقا من المدرسة العلوية بالكلمة البليغة

 

قال امير المؤمنين عليه السلام رُبَّ قول أشد من صول

 

في الختام أقول لأهل العلم والعلماء لأهل الكلمة البليغة الذين يسيرون على خطى أهل البيت صلوة الله وسلامه عليه أرفعوا راية الكلمة عاليا فالكلمة الطيبة أمانة في اعناقنا وإصلاح الفرد والمجتمع واجب علينا ورفعوا راية الكلمة وجعلوها ثورة في وجه الظالمين الفاسدين المفسدين لتكون بناءً للفرد والمجتمع وتكون مزعزعة لعروش الظالمين لتكونوا من الذين يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وكل ذلك من خلال ثورة الكلمة كلمة علمتموها فعلموها

 

 قال الإمام زين العابدين عليه السلام

 

« مكتوب في الإنجيل ، لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ، ولما تعملوا بما علمتم ، فإن العلم إذا لم يعمل به لم يزد صاحبه إلّا كفراً ، ولم يزدد من الله إلّا بُعداً

 

وقال الامام امير المؤمنين عليه السلام من قلب متوجِّع:

 

"فإنا للّه وإنا إليه راجعون، ظهر الفساد، فلا منكر مغيِّر، ولا زاجر مزدجر، أفبهذا تريدون أن تجاوروا اللّه في دار قدسه، وتكونوا أعز أوليائه عنده؟ هيهات! لا يخدع اللّه عن جنتّه..."18.

 

 

والحمد لله رب العالمين

 

 

والصلاة والسلام على محمد واله الطاهرين

 

 أبو يقين