غاية العاقل
غير مصنّف٣٠ يونيو ٢٠٢٦

غاية العاقل

حجم النص:
شارك:

وصايا حوزوية

غاية العاقل

إن دخول الحوزة العلمية ليس مجرد مرحلة دراسية عابرة، بل هو اختيار مصيري يرسم ملامح الطريق نحو المستقبل، بل نحو المصير الأخروي. ومن هنا، فإن طالب العلم لا بد أن يسأل نفسه بصدق: ماذا أريد من دخولي هذا الطريق؟

إن أول ما ينبغي أن يستحضره طالب العلم هو وضوح الهدف. فالعلم بلا هدف كالسير بلا وجهة، يضيع فيه الجهد وتبهت فيه النية. ولا يكفي أن يكون الهدف آنياً أو محدوداً، بل لا بد أن يكون ممتداً نحو المستقبل، لأن العاقل هو الذي ينظر إلى ما وراء الحاضر، ويتأمل في مآلات الأمور ونتائجها.

وإذا كان النظر إلى المستقبل علامة العقل، فإن إدراك النتائج هو ثمرة هذا النظر. فكل سعي لا بد أن يثمر نتيجة، وكل نتيجة لا بد أن تُوزن بميزان المصلحة. وهنا يأتي دور البصيرة، إذ ليس كل ما يُظن مصلحة هو كذلك في الحقيقة، بل المصلحة الحقيقية هي ما كانت نافعة في العاقبة، لا في اللحظة العابرة.

ومن أسمى ما ينبغي أن يتوجه إليه طالب العلم أن يجعل غايته مرتبطة بالخاتمة، لأن الخاتمة هي الميزان الحقيقي لحياة الإنسان. فكم من بداية مشرقة لم تُختم بخير، وكم من طريق شاق انتهى إلى سعادة أبدية. فليكن همّ الطالب أن يحسن ختامَه، وأن يجعل علمه وسيلة تقوده إلى رضا الله.

وإذا تأملنا في الخاتمة وجدنا أنها ليست نهاية دنيوية فحسب، بل هي بداية الحياة الحقيقية في الآخرة، تلك الدار التي هي دار القرار، ومحل الأبرار. هناك تظهر ثمار العلم، وتتجلى آثار النية، ويُعرف صدق الساعي من ادعائه.

وعليه، فإن من أهم الوصايا لطلبة العلم:

• أن يخلصوا نياتهم لله تعالى، فلا يطلبوا العلم لغيره.

• أن يجعلوا هدفهم واضحاً، مرتبطاً بمستقبلهم الدنيوي والأخروي.

• أن ينظروا دائماً إلى النتائج، لا إلى الجهود فقط.

• أن يزنوا أعمالهم بميزان المصلحة الحقيقية، لا الوهمية.

• أن يجعلوا غايتهم حسن الخاتمة، لا مجرد التحصيل.

• أن يتذكروا أن الآخرة هي دار القرار، وأن ما فيها هو الباقي.

فطوبى لمن جعل علمه سلماً إلى رضوان الله، ولم يجعله وسيلة للغرور أو الدنيا، وسار في طريقه وهو يستحضر النهاية، فيحسن البداية والمسير، ويُختم له بخير في دار القرار بجوار محمد وآله الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ودمتم بخير

أبو يقين