
طريق الحق… وقلة السالكين..
طريق الحق… وقلة السالكين..
يروي لنا التاريخ وتجارب البشر أن طرق الحق والصلاح نادرًا ما تكون مزدحمة. فالنفس تميل إلى السهولة، والناس تسير غالبًا خلف ما اعتادت، ولو لم يكن الأفضل. وقد عبّر أمير المؤمنين عليه السلام عن هذه الحقيقة الخالدة بقوله: لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة أهله، وهي وصيّة تختصر فلسفة الحياة كلها، وتضع ميزانًا ثابتًا للتمييز بين الطريق الذي يُرضي الله، والطريق الذي يُرضي الناس.
إن الاستيحاش من قلّة الرفاق شعور إنساني طبيعي، لكن أمير المؤمنين يدعونا إلى تجاوزه. فقلّة السالكين لا تعني خطأ الطريق، بل ربما تكون دليلًا على صوابِه؛ لأن الدروب المعبّدة بالرغبات والشهوات أكثر جاذبية، بينما طريق القيم والمبادئ يحتاج إلى صبر وإرادة.
في رحلة السعي إلى الحق والعمل الصالح، سنجد دائمًا من يُحبط الهمم، ومن يبرّر التقاعس، ومن يؤجّل العمل بدعوى أن الوقت لم يحن بعد. هؤلاء لا يعرقلون مسيرتهم فقط، بل يحاولون جرّ الآخرين إلى سكونهم. وهنا تأتي الوصيّة: لا تلتفت إليهم، ولا تجعل وزنهم في طريقك أثقل من هدفك.
إنّ الحياة أشبه بأرضٍ واسعة، لا تنبت إلا إذا بُذرت وسُقيت بالعزم والإخلاص. ما كان لله ينمو؛ فحين يكون الهدف رضا الله، لا خوف من قِلّة السالكين، ولا رهبة من بطء النتائج. فالبركة التي يضعها الله في العمل الخالص تُثمر ولو بعد حين، وتجعل الطريق الضيق متّسعًا بالسكينة.
إن السعي في طرق الحق ليس فقط لأجل الدنيا، بل لأجل يومٍ يقف فيه الجميع للحساب، يومٍ لا تنفع فيه الامتيازات الدنيوية. يومئذٍ، لا يبقى للإنسان إلا ما زرع، ولا يحصد إلا ما قدّم.
ولذلك، فإن رضا الله هو البوصلة الحقيقية التي يجب أن نقيس بها خطواتنا. فإذا وافق العمل وجهه تعالى، فما بعد ذلك إلا الطمأنينة، ولو سار معنا نفرٌ قليل.
إنّ طريق الحق ليس طريقًا جماهيريًا، لكنه الطريق الوحيد الذي يقود إلى سلام القلب وطمأنينة الروح ورضا الله. فلا تستوحش من قلّة السائرين فيه، ولا تلتفت للمحبطين، وازرع عملك بإخلاص، وانتظر ثمرته من ربّ لا يضيع أجر المحسنين.
أبو يقين


