ثلاث قواصم لظهر الإنسان
ثقافة عامة١٤ أكتوبر ٢٠٢٦

ثلاث قواصم لظهر الإنسان

في زمن تتكاثر فيه الفتن، وتتشابك فيه الشبهات، وتكثر فيه المغريات

حجم النص:
شارك:

إنّ قراءة روايات أهل البيت عليهم السلام والتأمّل في كلماتهم وحِكَمهم من الأمور المهمّة التي ترسم للإنسان طريق الحقّ لمعرفته والثبات عليه، ولا سيّما في زمن تتكاثر فيه الفتن، وتتشابك فيه الشبهات، وتكثر فيه المغريات التي قد تُبعد الإنسان عن دينه وأخلاقه.

ومن هذه الكلمات العظيمة ما رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: ثلاث قاصمات الظهر: رجل استكثر عمله، ونسي ذنوبه، وأُعجب برأيه.

وهذه الرواية المباركة تضع أيدينا على ثلاث آفات خطيرة قد تصيب الإنسان من حيث لا يشعر، وتؤثّر في علاقته بربّه وبنفسه وبالآخرين، وهو ما يستدعي منّا الوقوف عند معانيها والتأمّل في دلالاتها، لنستفيد منها في تهذيب أنفسنا وإصلاح سلوكنا.

قد يعمل الإنسان أعمالاً صالحة كثيرة، ثم يتسلّل العُجب إلى قلبه، فيرى أنّه قدّم ما يكفي، وأنّه أصبح أفضل من غيره، وينسى أنّ التوفيق للطاعة نعمة من الله تعالى، وأنّ الإنسان مهما بلغ من العبادة والعمل الصالح يبقى محتاجاً إلى رحمة الله ومغفرته.

إنّ أولى هذه الصفات هي استكثار الإنسان من عمله، أي أن ينظر إلى أعماله الصالحة نظرة إعجاب، فيرى أنّه قدّم الكثير من الطاعات، وأنّه أدّى ما عليه من واجبات، وربما بدأ يقارن نفسه بالآخرين، فينظر إليهم نظرة استعلاء بسبب ما يعتقد أنّه يمتلكه من عبادة أو علم أو خدمة. وهذه الحالة خطيرة؛ لأنّ العمل الصالح الذي ينبغي أن يكون سبباً في تواضع الإنسان وخضوعه لله تعالى قد يتحوّل إلى وسيلة للغرور والتكبّر. فالمؤمن الواعي يدرك أنّ كلّ صلاة يؤدّيها، وكلّ صدقة يقدّمها، وكلّ عمل خير يقوم به، إنّما هو بتوفيق من الله وفضله، ولذلك يقابل هذه النعم بالشكر والإخلاص، لا بالعُجب والافتخار. وليس المطلوب من الإنسان أن يحتقر أعماله الصالحة أو يقلّل من قيمتها، بل المطلوب أن يحافظ على إخلاصه، وأن يعلم أنّ العبرة ليست بكثرة الأعمال وحدها، وإنما بما تحمله من صدق النيّة وحسن الخلق والأثر الطيب في حياة الناس.

أمّا الصفة الثانية فهي نسيان الذنوب، وهي من الصفات التي تجعل الإنسان غافلاً عن عيوب نفسه، منشغلاً بأخطاء الآخرين وتقصيرهم. فالإنسان الذي ينسى ذنوبه قد يتذكّر ما قدّمه من خير، لكنه لا يستحضر ما صدر منه من أخطاء، وقد يلوم الآخرين على كلمة جارحة قالوها في حقّه، بينما ينسى الكلمات التي جرح بها مشاعرهم، وقد يطالب الناس بالاعتذار إليه، لكنه يجد صعوبة في الاعتراف بخطئه والاعتذار لمن أساء إليهم. وهنا يفقد الإنسان إحدى أهم وسائل إصلاح نفسه، وهي محاسبة النفس؛ لأنّ من لا يعترف بتقصيره لا يستطيع أن يعالجه، ومن لا يتذكّر أخطاءه لا يجد الدافع الحقيقي إلى التوبة والتغيير.

إنّ تذكّر الذنوب لا يعني أن يعيش الإنسان أسيراً للماضي أو أن يستسلم لليأس، وإنما يعني أن يستحضر أخطاءه بقصد التوبة والإصلاح، وأن يجعل منها دروساً تمنعه من تكرارها. فالمؤمن حين يخطئ لا يبرّر خطأه ولا يصرّ عليه، بل يعترف بتقصيره، ويستغفر ربّه، ويسعى إلى إصلاح ما أفسده، وإذا تعلّق الخطأ بحقوق الآخرين بادر إلى ردّ الحقوق وطلب المسامحة.

وأمّا الصفة الثالثة فهي الإعجاب بالرأي، وهي من الآفات الأخلاقية التي تجعل الإنسان أسير أفكاره وقناعاته، فيظنّ أنّ رأيه هو الصواب دائماً، وأنّ الآخرين لا يمتلكون من الفهم أو المعرفة ما يؤهّلهم لمناقشته أو نصحه. وقد يظهر هذا الإعجاب في رفض الاستماع إلى النصيحة، أو مقاطعة الآخرين أثناء الحديث، أو الإصرار على موقف معيّن حتى بعد ظهور خطئه. وهذه الحالة تحرم الإنسان من الاستفادة من تجارب الآخرين وخبراتهم، وتجعله عاجزاً عن تطوير نفسه وتصحيح أفكاره. فالعاقل ليس هو الذي لا يخطئ، وإنما هو الذي يعرف كيف يتعامل مع خطئه، ويملك الشجاعة للاعتراف به والرجوع عنه متى تبيّن له الصواب.

وعندما نتأمّل هذه الصفات الثلاث، ندرك أنّها ترتبط ببعضها ارتباطاً وثيقاً؛ فالذي يستكثر عمله قد يُعجب بنفسه، والذي ينسى ذنوبه قد يغفل عن تقصيره، والذي يُعجب برأيه قد يرفض النصيحة التي تساعده على إصلاح نفسه.

وهكذا تتكوّن لدى الإنسان صورة متضخّمة عن ذاته، فيرى حسناته أكبر من حقيقتها، وذنوبه أصغر من حقيقتها، وآراءه أقرب إلى الصواب من آراء الآخرين. ولهذا عبّر الإمام الباقر عليه السلام عنها بأنّها قاصمات الظهر لما لها من أثر خطير في إضعاف شخصية الإنسان الأخلاقية وإبعاده عن طريق التواضع والمراجعة والإصلاح، وربما تقوده للهلاك في الدنيا والأخرة.

ومن هنا، فإنّ التوجيه الذي نستفيده من هذه الرواية هو أن نجعل أعمالنا الصالحة سبباً للشكر لا للغرور، وأن نجعل تذكّر ذنوبنا دافعاً إلى التوبة لا إلى اليأس، وأن نجعل آراءنا مجالاً للتفكير والمراجعة لا وسيلة للتعصّب والعناد. فالإنسان يحتاج إلى أن يراقب نفسه كما يراقب أعمال الآخرين، وأن يسعى إلى تصحيح أخطائه قبل أن ينشغل بتصحيح أخطاء غيره، وأن يتقبّل النصيحة مهما كان مصدرها ما دامت قائمة على الحقّ.

وتبقى هذه الحكمة العظيمة عن الإمام الباقر عليه السلام دعوةً مفتوحة لكلّ إنسان كي يراجع نفسه ويعيد النظر في علاقته بأعماله وأخطائه وآرائه.

والحمد لله ربّ العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد آله الطيبين الطاهرين

أبو يقين