
الشباب في أي فلك يدور؟!
العمر ليس مجرد سنوات تمر، وإنما أمانة سيُسأل عنها، وأن قيمة الحياة لا تتحدد بطولها،…
الفراغ بين ضياع العمر واغتنامه
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خَصلتان كثير من الناس مَفتون فيهما: الصحة والفراغ.
وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: من الفراغ تكون الصبوة. أي الميل إلى الهوى والشهوات.
العمر ليس مجرد سنوات تمر، وإنما أمانة سيُسأل عنها، وأن قيمة الحياة لا تتحدد بطولها، وإنما بما يضعه الإنسان فيها من أثر صالح وعمل نافع.
الإنسان حين يخلو وقته من الهدف، وتغيب عن حياته الغاية، ولا يجد ما يوجّه طاقاته نحو ما ينفعه في دنياه وأخرته وينفع الآخرين من حوله، يصبح أكثر عرضة للغفلة والانشغال بما لا ينفع، والانجراف وراء الأهواء والشهوات، والتسويف الذي يسرق من عمره الأيام والساعات دون أن يشعر.
وتزداد أهمية هذه الحقيقة عندما نتحدث عن مرحلة الشباب، فهي من أعظم مراحل العمر قيمة وأثرًا، ففيها تتوافر للإنسان القوة والحيوية، وصفاء الذهن، واتساع الطموح، والقدرة على التعلم والتغيير، والاستعداد لبناء الشخصية وصناعة المستقبل، ولذلك فإن التفريط فيها أو تركها دون توجيه يمثل خسارة حقيقية، لا تقتصر آثارها على الحاضر، بل قد تمتد إلى مستقبل الإنسان كله في دنياه وأخرته.
وغالبًا لا يبدأ ضياع العمر بصورة واضحة تجعل الإنسان ينتبه إلى خطورته، وإنما يبدأ بأشياء صغيرة تبدو في بدايتها غير مؤثرة؛ ساعة تُهدر هنا، وتأجيل هناك، وتسويف يتكرر، ثم تتحول هذه الأمور مع مرور الوقت إلى عادات تستولي على حياة الإنسان. قد يقول الشاب: سأبدأ غدًا، وسألتزم عندما تنتهي دراستي، وسأهتم ببناء نفسي عندما تستقر ظروفي، وسأخصص وقتًا للعمل الرسالي عندما تتوفر لديّ مساحة أكبر من الوقت، حتى يمضي الحاضر دون أن يشعر. وربما يصل يوم يلتفت فيه إلى سنوات مضت، فيكتشف أن ما كان يسميه تأجيلًا لم يكن إلا ضياعًا متراكمًا للعمر الذي يجب أن يكون مزرعة ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
الشيطان يتربص بالإنسان، ويستغل لحظات ضعف الإرادة والغفلة ليزين له التسويف، ويهوّن عليه التقصير، ويصوّر له الانشغال بالتوافه وكأنه أمر لا ضرر فيه. وقد يبدأ الأمر بتضييع ساعة، ثم يمتد إلى ساعات، وقد يبدأ بتأجيل واجب أو عبادة، ثم يصبح التأجيل عادة، حتى يألف الإنسان ما كان يستثقله، ويعتاد ما كان يستنكره.
وليس المقصود باغتنام العمر أن يترك الإنسان شؤون دنياه أو يهمل مستقبله، فالدراسة والعمل وبناء المستقبل وتحصيل الرزق أمور مهمة، وقد تكون من مصاديق الطاعة والعبادة إذا اقترنت بالنية الصالحة وأُديت بروح المسؤولية والالتزام. وإنما تكمن الخطورة عندما تتحول هذه المشاغل إلى غاية تستحوذ على القلب والفكر، فينسى الإنسان واجبه تجاه ربه، ويتراجع اهتمامه بإصلاح نفسه، ويغفل عن مسؤوليته الأخلاقية والرسالية والاجتماعية.
إن اغتنام الفراغ في العمل الرسالي لا يعني بالضرورة أن يقوم الإنسان بأعمال كبيرة أو يحمل مسؤوليات تفوق قدرته، بل قد يبدأ الأمر من خطوات بسيطة تتكرر يومًا بعد يوم. فالشاب الرسالي لا ينتظر أن تتغير حياته بالكامل حتى يبدأ، وإنما يبدأ بما يستطيع، ثم يتقدم خطوة بعد خطوة، ويحاسب نفسه عندما يقصر، ويجدد عزيمته عندما يتعثر، ولا يسمح لخطأ سابق أو وقت ضائع أن يتحول إلى مبرر للاستمرار في الغفلة ومضيعة العمر الذي يقاس بالغاية من خلقه.
فلا تجعلوا الفراغ بابًا للغفلة، ولا تسمحوا للتسويف أن يسرق أجمل سنوات العمر، ولا تؤجلوا العمل الصالح إلى زمن مجهول. اجعلوا في أيامكم نصيبًا من العبادة، ونصيبًا من العلم، ونصيبًا من خدمة الناس، ونصيبًا من بناء النفس والاستعداد لتحمل المسؤولية، واستحضروا دائمًا أن العمر الذي يمضي لا يعود.
نسأل الله تعالى أن يوفق شبابنا الرسالي لاغتنام أعمارهم فيما يحب ويرضى، وأن يحصّن قلوبهم من مكائد الشيطان ووساوسه، وأن يمنحهم الإيمان والبصيرة وحسن الاختيار، وأن يجعلهم من أهل الطاعة والعمل الصالح، وحملة الخير والإصلاح في مجتمعاتهم، وأن يبارك في أعمارهم وأوقاتهم، ويجعل ما يقدمونه في حياتهم شاهدًا لهم يوم يلقونه.
والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على نبيان محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
أبو يقين


