أحدهم كتب لي يسأل… فكتبت هذا…
ثقافة عامة٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦

أحدهم كتب لي يسأل… فكتبت هذا…

قبل عدة أيام، تواصل معي أحدهم يسألني عن أمرٍ يشغله، وبعد حديث قصير قال لي: أتدري ما الذي يخيفني؟… بقي السؤال في ذهني، ثم كتبت هذا…

حجم النص:
شارك:

قبل عدة أيام، تواصل معي أحدهم يسألني عن أمرٍ يشغله، وبعد حديث قصير قال لي: أتدري ما الذي يخيفني؟

أن أموري كلها تقريبًا ميسّرة، والأبواب غالبًا تُفتح أمامي، وحتى الأمور التي أقلق منها تنتهي بسهولة.

لكنني بدأت أسأل نفسي: أهذا رضا من الله؟ أم أنني أعيش في استدراج وأنا لا أشعر؟.

بقي السؤال في ذهني، ثم كتبت هذا…

قال أبو عبد الله الإمام الصادق عليه السلام: ما من قبضٍ ولا بسطٍ إلا ولله فيه مشيئةٌ وقضاءٌ وابتلاء.

الرواية الشريفة تفتح باباً عميقاً في فهم ما يجري في حياة المؤمن؛ فالإنسان لا يعيش في هذه الدنيا على حالٍ واحد، وإنما يتقلب بين القبض والبسط، وبين المنع والعطاء، وبين التيسير والتعسير، وكل ذلك يجري ضمن مشيئة الله وقضائه، وفيه امتحانٌ وابتلاء. فليس كل ما يراه الإنسان خيراً يكون خيراً له في واقعه، وليس كل ما يراه شراً يكون شراً في عاقبته، لأن الإنسان ينظر إلى ظاهر الأمر، وأما الله سبحانه فيعلم ظاهره وباطنه وأوله وآخره.

فالقبض هو ما يطرأ على الإنسان من تضييقٍ ومنعٍ وتعسير، كأن تتعطل له حاجة، أو يتأخر عنه رزق، أو يُحرم أمراً كان يرجوه، أو تضيق عليه بعض أبواب الدنيا. وهذا القبض قد يكون امتحاناً لصبره وتوكله وثقته بالله، وقد يكون سبباً في رجوعه إلى الله وانقطاعه إليه، وقد يكون فيه من المصالح ما لا يدركه الإنسان في وقت المنع. ولذلك لا ينبغي للمؤمن إذا مُنع من شيء أن يظن مباشرةً أن الله قد أبعده أو سخط عليه، بل قد يكون المنع عين العناية، وقد يكون الباب الذي أُغلق في وجهه سبباً في نجاته من أمرٍ لا يعلم عاقبته.

وكذلك البسط، وهو التيسير والعطاء وانفتاح الأبواب وحصول المطالب، ليس بالضرورة دليلاً على رضا الله عن الإنسان. فقد ييسر الله للعبد أمراً ليختبره به، وينظر كيف يتصرف في هذه النعمة، وهل يشكر الله عليها أم يغفل، وهل يستعملها في طاعته أم يجعلها سبباً للبعد عنه. فقد يكون المال ابتلاءً، والمنصب ابتلاءً، والصحة ابتلاءً، والنجاح ابتلاءً، وتيسير الأمور ابتلاءً؛ لأن النعمة تحتاج إلى شكر كما أن المصيبة تحتاج إلى صبر.

ومن هنا ينبغي للمؤمن أن لا يغتر بالتيسير، فيقول: ما دام الله قد فتح لي هذا الباب ويسر لي هذا الأمر، فمعنى ذلك أن الله راضٍ عني.

وكذلك لا ينبغي للإنسان أن يظن أن كل منعٍ شر، فقد يمنع الله عنه شيئاً وهو في حقيقة الأمر يحفظه به، وقد يؤخر عنه أمراً لأن وقته لم يأتِ، أو لأن فيه ضرراً لا يعلمه، أو ليعلّمه الصبر والتسليم والتوكل، وحسن الظن بالله سبحانه وتعالى.

ومن هنا يعيش المؤمن بين الخوف والرجاء؛ فلا يغلب عليه الخوف حتى يقنط من رحمة الله، ولا يغلب عليه الرجاء حتى يأمن من مكر الله.

وهذا هو التوازن الذي يحتاج إليه الإنسان في سيره إلى الله جل وعلا؛ الخوف يحفظه من الغرور والأمن، والرجاء يحفظه من اليأس والقنوط. فلا يفسر كل تيسير بأنه كرامة، ولا يفسر كل منع بأنه إهانة، وإنما ينظر إلى نفسه وإلى أثر ما جرى عليه: هل قربه من الله أم أبعده؟ هل جعله أكثر شكراً وخضوعاً أم أكثر غفلةً واستكباراً؟ فليست القضية في أن تُفتح الأبواب أو تُغلق فقط، وإنما في أن يبقى القلب مع الله عند فتحها وإغلاقها.

والحمد لله ربّ العالمين

والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين

أبو يقين