تعليقًا على مقطع مصور
ثقافة عامة٦ سبتمبر ٢٠٢٦

تعليقًا على مقطع مصور

قبل عدة أيام، لفت انتباهي مقطعٌ نشره بعض الشباب في أحد مواقع الهيئات الشبابية الفاعلة، ظهر فيه ثلاثة من الشباب وهم يتحدثون عن …

حجم النص:
شارك:

تعليقًا على مقطع مصور

قبل عدة أيام، لفت انتباهي مقطعٌ نشره بعض الشباب في أحد مواقع الهيئات الشبابية الفاعلة، ظهر فيه ثلاثة من الشباب وهم يتحدثون عن ظاهرة باتت تُلاحظ في كثير من المساجد، وهي عزوف شريحة من الشباب عن حضور صلاة الجماعة، حتى أصبح المشهد في بعض الأوقات لافتًا للنظر؛ صفوفٌ يغلب عليها كبار السن، وحضورٌ شبابي محدود، مع أن المسجد يفترض أن يكون من أكثر الأماكن التي تحتضن الشباب وتجمعهم.

وقبل كل شي نتقدّم بخالص الشكر والتقدير لهذه الهيئة المباركة على جهودها المتميزة، وما تقدّمه من طرحٍ واعٍ وهادف، ونشدّ على أيدي القائمين عليها لمواصلة مسيرتهم المباركة في نشر الوعي الرسالي، وترسيخ القيم والمبادئ المستنيرة وفق المنهج الذي أرساه أهل البيت عليهم السلام، سائلين الله تعالى لهم دوام التوفيق والسداد، وأن يبارك في جهودهم ويجعلها خالصةً لوجهه الكريم.

نعم دائمًا ما استوقفتني هذه الملاحظة كثيرًا، لا لأنها تعني أن جميع الشباب قد ابتعدوا عن الجماعة، فما زال هناك شباب مؤمنون ملتزمون يحافظون على حضور الصلوات في المساجد، ويحرصون على أن تكون الجماعة جزءًا ثابتًا من حياتهم، ولكن الحديث عن ظاهرة تستحق أن نتوقف عندها، وأن نسأل أنفسنا بصدق: لماذا يتثاقل بعض شبابنا عن صلاة الجماعة؟ ولماذا أصبح حضور المسجد عند البعض أمرًا يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه، في حين يجد الوقت الكافي لأمور أخرى قد لا تكون لها من الأهمية ما للصلاة والجماعة؟

وهنا تبدأ الأسئلة التي تحتاج إلى تأمل حقيقي: هل المشكلة في ضعف الوعي بأهمية صلاة الجماعة؟ أم في غياب الشعور بالمسؤولية؟ أم أن الكسل والتسويف والانشغال بالهاتف ومواقع التواصل والألعاب والمجالس وغيرها قد استحوذ على مساحة واسعة من يوم الشباب، حتى لم يعد للصلاة في المسجد مكان ثابت في جدول حياته؟ أم أن هناك أسبابًا أخرى أعمق من ذلك كله تحتاج إلى البحث والتأمل بدل أن نكتفي بلوم الشباب وعتابهم؟

إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس مجرد عدد الغائبين عن صفوف الجماعة، وإنما أن تتحول المسألة مع مرور الوقت إلى ثقافة غير معلنة، فينشأ الشاب وهو يرى المسجد مكانًا يرتاده كبار السن، بينما ينشغل هو بعالم آخر. ومع تكرار الغياب يصبح الأمر مألوفًا، ثم لا يعود الشاب يشعر بأن هناك شيئًا مهمًا قد فاته، وقد تبدأ الحكاية بتأخير صلاة واحدة، ثم تتكرر، ثم يتحول التأخير إلى عادة، والغياب إلى أسلوب حياة.

إن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى أن يقف مع نفسه وقفة صادقة، بعيدًا عن الأعذار الجاهزة، ويسأل: ماذا الذي يمنعني؟ هل هو عذر حقيقي؟ أم كسل؟ أم تسويف؟ أم أنني اعتدت أن أؤجل حتى أصبح التأجيل طبعًا؟ .

ومن هنا أرى أن القضية تحتاج إلى علاج توعوي جاد، تشترك فيه مختلف الطبقات الدينية والاجتماعية. فالعالم والخطيب له دوره، والأسرة لها دورها، والهيئات الشبابية لها دورها، والأصدقاء لهم دورهم، والشاب نفسه له الدور الأكبر. ولا ينبغي أن تتحول المعالجة إلى خطاب من اللوم والتقريع ينفر الشباب أكثر، بل المطلوب خطاب يوقظ الضمير، ويبين قيمة الجماعة، ويكشف خطورة الاستهانة بها، ويفتح في الوقت نفسه أبواب العودة ويشجع عليها.

ليدعُ بعضنا بعضًا إلى الخير. إذا كنت ذاهبًا إلى المسجد فاتصل بصديقك، وإذا رأيت أخاك يتكاسل فذكره بلطف، وإذا كان بينك وبين أحد الشباب علاقة وصحبة فاجعل الصلاة من الأمور التي تتعاونان عليها. فقد تكون رسالة قصيرة، أو اتصال بسيط، أو عبارة عابرة من صديق صالح، سببًا في أن يستعيد إنسان علاقته بالمسجد.

وقد جاءت الروايات في التحذير من الرغبة عن جماعة المسلمين وترك حضور المسجد بعبارات شديدة ينبغي للمؤمن أن يتوقف عندها، ففي الخبر: (لا صلاة لمن لا يصلي في المسجد إلا من علة، ولا غيبة لمن صلى في بيته ورغب عن جماعتنا، ومن رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته وسقطت بينهم عدالته ووجب هجرانه..) وفي خبر آخر أن أمير المؤمنين عليه السلام بلغه أن قومًا لا يحضرون الصلاة في المسجد، فخطب محذرًا من هذا الإعراض عن صلاة الجماعة.

ولنتأمل قليلًا في الصورة التي نريد أن نراها في مساجدنا: شبابٌ يتقدمون إلى الصفوف، وآباءٌ يصطحبون أبناءهم، وأصدقاءٌ ينادون بعضهم بعضًا عند حلول وقت الصلاة، وأجيالٌ مختلفة تلتقي في المسجد على الطاعة. أليست هذه هي الصورة التي نتمنى أن تكون عليها مجتمعاتنا؟ وإذا كنا نريدها، فعلينا أن نبدأ من أنفسنا.

يا شبابنا، لا تجعلوا المسجد مكانًا تعرفونه في المناسبات فقط، ولا تجعلوا الأذان صوتًا تسمعونه ثم تواصلون ما كنتم تفعلون. الصلاة تناديكم، والجماعة تناديكم، والمسجد يفتح أبوابه لكم.

فإذا كان الأذان نداءً من السماء، فلا يليق بنا أن يكون جوابنا دائمًا: بعد قليل..

والحمد لله ربّ العالمين

والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين

أبو يقين