
رساليون في المولد النبوي الشريف
كيف نستلهم من ذكرى المولد النبوي الشريف أن نكون رساليين
كيف نستلهم من ذكرى المولد النبوي الشريف أن نكون رساليين
في ذكرى المولد النبوي الشريف، علينا أن نستعيد معه معنى الرسالة والرسالية التي جاء بها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، ونستعيد صورة النبي العظيم الذي لم يكن حضوره بين الناس حضورًا عابرًا، بل حضورًا يلامس أوجاعهم، ويقترب من حاجاتهم، ويفتح أمامهم أبواب الرحمة والهداية. ولعل من أبلغ الصور التي تختصر هذا الدور النبوي المبارك ما وصف به أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه رسول الله صلى الله عليه وآله حين قال: (طبيبٌ دوّار بطبّه، قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه، يضع ذلك حيث الحاجة إليه، من قلوبٍ عُمْيٍ، وآذان صُمٍ، وألسنة بُكمٍ. متتبعٌ بدوائه مواضع الغفلة، ومواطن الحَيرة). إنها صورة النبي صلى الله عليه واله الذي لم ينتظر أن يأتي أن يأتي إليه، بل كان طبيبًا يتحرك بين الناس، يبحث عن مواضع الألم، ويضع الدواء حيث تكون الحاجة إليه.
ولعلنا حين نتأمل هذه الصورة اليوم، نجد أنها تحمل إلينا سؤالًا كبيرًا: هل ما زلنا نفهم معنى أن يكون الإنسان رساليًا، ومصلحًا، ومعلّمًا، وراحمًا بالناس؟ أم أننا اعتدنا الانتظار حتى أصبحنا نرى أن مسؤوليتنا تبدأ عندما يطرق المحتاج أبوابنا؟ ننتظر أن يأتي الجاهل ليسأل، وأن يأتي المحتاج ليطلب، بينما كانت السيرة النبوية تعلمنا معنى آخر معنى المبادرة، يعني أن ترى موقع الخلل فتبادر لإصلاحه في الإنسان وكذلك في المجتمع.
وما أكثر الأوجاع، وما أكثر الخلل في حياتنا التي تحيط بنا اليوم، وإن اختلفت صورها عن أوجاع الأمس. نحن نعيش في زمنٍ تتدفق فيه المعلومات من كل جانب، حتى أصبح الإنسان محاصرًا بضوضاء لا تنقطع، لكنه في الوقت نفسه قد يعيش فقرًا في المعاني الرسالية، وحيرة في القيم الرسالية.
ومن هنا تبدو الحاجة اليوم إلى استعادة ذلك المعنى الرسالي العميق الذي جسده النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وهو: أن يكون الإنسان «دوّارًا بطبّه». أن لا يكون الخير عنده ساكنًا في مكانه، بل متحركًا نحو بناء الإنسان وبناء المجتمع على القيم التي أرساها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وثبت مبادئها أهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم .
ومن أعظم صور المبادرة أن نواجه الجهل بالتعليم، لا بالسخرية والاحتقار. وقد جاء في نهج البلاغة: (ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا). إن هذه الكلمة تضع العلم في موضع المسؤولية، فلا يعود العلم امتيازًا يحتفظ به صاحبه لنفسه، وإنما يصبح أمانة يجب أن تصل إلى الآخرين. وإذا كان بعض الناس يجهلون، فإن واجب من يعلم أن يقرّب إليهم المعرفة، وأن يفتح لهم باب السؤال، وأن يجعل العلم طريقًا إلى الهداية لا وسيلة للتعالي عليهم. فما أقسى أن يحتاج إنسان إلى جواب فيُقابل بالاستهزاء، وما أجمل أن يجد بدل ذلك قلبًا يقول له: اسأل، حتى لو قيل عنك مجنون.
نعم الأمراض التي تعصف بالأفراد والمجتمعات، ككل مرض يحتاج دواء خاص، يحتاج إلى طريقة صحيحة في تقديمه. فليس كل مريض يحتاج إلى الدواء نفسه، وليس كل إنسان يحتاج إلى النصيحة بالطريقة نفسها. ولهذا كانت الرحمة جزءًا من منهج نبي الرحمة الأعظم صلى الله عليه وآله، لأن الإنسان لا يمكن أن تفتح قلبه بالقسوة. إننا نحتاج في علاقاتنا إلى رحمة تسبق الحكم، وإلى إنصات يسبق النصيحة، وإلى تواضع يسبق التوجيه.
إن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله ينبغي أن يتجاوز حدود الكلمات التي نقولها عنه إلى الأخلاق الرسالية التي نعيشها باسمه. فليس أجمل من أن يأتي المولد فنراجع علاقتنا بالناس والمجتمع، وهي التي تجعل المولد الشريف مناسبة للوعي بالمنهج الرسالي المحمدي العلوي، لا مجرد تجديد الذكرى.
وهكذا يصبح المولد النبوي الشريف تجديدًا لمعنى الرسالية فينا والتأكيد أنه ما زالت الرسالية حيّةً في سلوكنا وأخلاقنا.
والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على نبيه الأعظم وعلى آله الطيبين الطاهرين
أبو يقين
