كذِّب سمعك وبصرك عن أخيك
ثقافة عامة١٩ أغسطس ٢٠٢٦

كذِّب سمعك وبصرك عن أخيك

حجم النص:
شارك:

كذِّب سمعك وبصرك عن أخيك

خلال اليومين الماضيين وصلتني قصتان، وكانتا من القصص التي تدفع الإنسان إلى التأمل في خطورة ما نسمعه عن الآخرين، وكيف يمكن لكلمة أو رواية منقولة أن تغيّر نظرة الإنسان إلى أخيه، وربما تفسد علاقةً بُنيت خلال سنوات.

واللافت في القصتين أنني لم أكن أمام أمرٍ شاهدته بنفسي، وإنما أمام أخبار وصلتني من خلال النقل. وفي مثل هذه المواقف يتبين الفرق بين الإنسان الذي يتعامل مع الأخبار بعجلة، والإنسان الذي يتوقف ويتثبت ويضع احتمال أن تكون الصورة التي وصلته ناقصة أو غير دقيقة.

القصة الأولى جعلتني أتساءل: كم مرة نسمع عن شخص شيئاً فنحكم عليه قبل أن نسمع منه؟ وكم مرة تصلنا رواية عن موقف، فنأخذها كما نُقلت إلينا، من غير أن نسأل: هل نُقل الكلام كاملاً؟ هل فهم الموقف كما وقع؟ هل هناك تفاصيل لم تصلنا؟ وهل يمكن أن يكون الشخص الذي نُقل عنه الكلام بريئاً من الصورة التي رسمناها في أذهاننا؟

أما القصة الثانية فكانت أشد وقعاً؛ لأنها ذكّرتني بأن الإنسان قد يسمع خبراً عن أخيه، فيتغير قلبه تجاهه قبل أن يتأكد من حقيقة الأمر. وقد يزداد الأمر سوءاً عندما تأتيه الرواية من أكثر من شخص، فيظن أن كثرة الناقلين تعني بالضرورة صحة الخبر، مع أن الجميع قد يكونون قد نقلوا الكلام نفسه عن مصدر واحد، أو أن الخطأ قد انتقل من شخص إلى آخر حتى أصبح في النهاية وكأنه حقيقة ثابتة.

من أجمل ما يربي عليه الإسلام وكلمات أهل البيت عليهم السلام في علاقات المؤمنين أن لا يكون الإنسان سريع التصديق فيما يسمعه عن إخوانه، ولا متعجلاً في الحكم عليهم بما ينقل إليه من أخبار. فكم من كلمة نُقلت بغير دقة، وكم من موقف فُهم على غير وجهه، وكم من خبرٍ صحيحٍ في أصله أُضيفت إليه الزيادات حتى تغيّر معناه، ثم أصبح سبباً للقطيعة وسوء الظن وهدم العلاقات.

وفي هذا السياق يروي لنا الكليني في الكافي عن أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) أنه قال لأحد أصحابه: «كذِّب سمعك وبصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسامةً، وقال لك قولاً، فصدِّقه وكذِّبهم»، ثم حذّر من إذاعة ما يشين المؤمن ويهدم مروءته، مستشهداً بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

إن هذا الحديث لا يعلمنا السذاجة ولا يدعونا إلى إنكار الحقائق، وإنما يضع لنا منهجاً أخلاقياً في التعامل مع أخبار المؤمنين: الأصل أن نحفظ أخانا، وأن نلتمس له العذر، وأن نمنحه فرصة أن يوضح موقفه بنفسه، وألا نجعل كلام الناس حكماً نهائياً عليه.

لا تجعل أذنك محكمةً على الناس

قد يسمع الإنسان خبراً عن أخيه فيتغير موقفه منه مباشرة، وكأن مجرد سماع الخبر كافٍ لإصدار الحكم. وهنا تأتي وصية الإمام الكاظم (عليه السلام): كذِّب سمعك وبصرك عن أخيك.

والمعنى التربوي لهذه العبارة أن المؤمن لا ينبغي أن يجعل كل ما تسمعه أذنه وما تراه عينه حقيقةً مكتملة لا تقبل المراجعة. فقد تكون هناك ملابسات لا نعرفها، أو تفسير آخر للحدث، أو خطأ في النقل، أو مبالغة، أو سوء فهم.

والإنسان العاقل يعرف أن الصورة التي تصل إليه ليست دائماً هي الصورة الكاملة.

لذلك، عندما يأتيك أحدهم قائلاً: لقد سمعت أن فلاناً قال فيك كذا، فلا تجعل أول رد فعل لك هو الغضب، ولا تسارع إلى مقاطعته أو تشويه صورته. بل توقف واسأل نفسك: هل أعرف الحقيقة كاملة؟ وهل سمعت منه مباشرة؟ وهل يمكن أن يكون لما حدث تفسير آخر؟

إذا أنكر أخوك، فأعطه فرصة

اللافت في الحديث أن الإمام (عليه السلام) يذكر حالةً يكون فيها الخبر قد وصل إلى الإنسان من جماعة يثق بهم، ثم يسأل أخاه عن الأمر فينكره، فيوجهه الإمام إلى تصديق أخيه وعدم الاستسلام لما نُقل إليه.

وهنا تظهر قيمة عظيمة في أخلاق أهل بيت العصمة صلوات الله وسلامه عليهم، وهي حسن الظن بالمؤمن.

إن من السهل أن تصدق الآخرين عندما يكون الكلام موافقاً لانطباع سابق لديك عن شخص ما. لكن الأخلاق الحقيقية تظهر عندما يكون أمامك طريقان: طريق تصديق ما يقال، وطريق حفظ كرامة أخيك وإعطائه فرصة للتوضيح.

لماذا شدد الإمام عليه السلام على عدم إشاعة ما يشين المؤمن؟

يقول الإمام (عليه السلام): «لا تذيعنَّ عليه شيئاً تشينه به وتهدم به مروءته».

هذه العبارة ترسم خطاً فاصلاً بين معرفة الخطأ وبين نشر الخطأ.

قد يصل إليك شيء عن إنسان، وحتى لو كنت ترى أن فيه جانباً من الصحة، فليس معنى ذلك أن تصبح ناقلاً له بين الناس. فهناك فرق كبير بين أن يعرف الإنسان أمراً، وبين أن يحوله إلى حديث مجالس، أو رسالة في مجموعة، أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي.

نعم في زمن وسائل التواصل الاجتماعي أصبح نقل الأخبار أسهل من أي وقت مضى. رسالة واحدة قد تنتقل إلى عشرات الأشخاص خلال ثوانٍ، ومقطع واحد قد ينتشر قبل أن يتأكد أحد من سياقه، وكلمة قيلت في لحظة غضب قد تبقى متداولة سنوات.

وهنا تصبح وصية الإمام الكاظم (عليه السلام) أكثر حضوراً في حياتنا اليومية.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

فطوبى لمن كان لسانه ستراً، وقلبه عذراً، ونصيحته إصلاحاً، وموقفه من أخيه قائماً على الرحمة وحسن الظن.

ودمتم بخير،،،

أبو يقين