لا تقل أنا فقط أنقل ما سمعت
ثقافة عامة٣١ أغسطس ٢٠٢٦

لا تقل أنا فقط أنقل ما سمعت

قال الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: (لَيْسَ كُلُّ مَا يُعْرَفُ يُقَالُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُقَالُ حَضَرَ أَهْلُهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا حَضَرَ أَهْلُهُ حَانَ وَقْتُهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا حَانَ وَقْتُهُ صَحَّ قَوْلُهُ).

حجم النص:
شارك:

لا تقل أنا فقط أنقل ما سمعت

قال الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: (لَيْسَ كُلُّ مَا يُعْرَفُ يُقَالُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُقَالُ حَضَرَ أَهْلُهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا حَضَرَ أَهْلُهُ حَانَ وَقْتُهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا حَانَ وَقْتُهُ صَحَّ قَوْلُهُ).

منهجًا يضعه أمير المؤمنين عليه السلام بين أيدينا في التعامل مع الكلمة والمعلومة والموقف، ويدعوا إلى أن لا يجعل المؤمن لسانه وسيلة لنقل كل ما يعرف، ولا أن يظن أن امتلاك المعلومة يعني بالضرورة أن من حقه نشرها أو الحديث عنها. فالإنسان قد يعرف أشياء كثيرة عن الآخرين، وقد يسمع أسرارًا، أو يطّلع على تفاصيل خاصة، لكن الحكمة تقتضي أن يدرك أن المعرفة مسؤولية، وأن بعض ما نعرفه أمانة ينبغي أن نحفظها، لا مادة نتداولها في المجالس أو ننقلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

المشكلة أن البعض يتعامل مع سرعة نشر  الكلام أو المعلومات وكأنها دليل على أهمية الكلام، فينقل ما يسمعه دون أن يسأل عن مصدره، أو يتحدث عن الآخرين دون أن يتأكد من الحقيقة، وربما يبرر ذلك بقوله: (أنا فقط أنقل ما سمعت). ولكن نقل الكلام لا يعفي الإنسان من المسؤولية؛ لأن الكلمة عندما تخرج من فمه أو هاتفه تصبح جزءًا من أثر على الفرد وربما على المجتمع قد لا يستطيع التحكم في نتائجه.

هناك فرق كبير بين المعرفة والإفصاح، وبين أن تعرف شيئًا وأن يكون من الحكمة أن تتحدث به. والسؤال الأهم ليس: (هل أعرف؟)وإنما: (هل ينبغي أن أقول؟).

أما المرحلة الثانية من الحكمة في قوله عليه السلام: (وليس كل ما يقال حضر أهله). فقد يكون الكلام صحيحًا، وقد تكون النصيحة صادقة، ولكن الشخص الذي ينبغي أن يسمعها ليس حاضرًا، أو أن المكان غير مناسب لقولها. وهنا نحتاج إلى أن نتعلم الفرق بين الصراحة والفظاظة، وبين النصيحة والتشهير، وبين الشجاعة في قول الحق وبين استخدام الحق لإحراج الآخرين.

وقد يكون الشخص حاضرًا، ولكن الوقت غير مناسب، ولهذا جاء قوله صلوات الله عليه: (وليس كل ما حضر أهله حان وقته). لأن الكلمة لا تعتمد على مضمونها فقط، وإنما تعتمد أيضًا على توقيتها.

قد يكون تأجيل الحديث أحيانًا ليس هروبًا من المشكلة، وإنما هو محاولة لحلها بطريقة أكثر نضجًا. وليس كل موقف يحتاج إلى رد فوري، وليس كل كلمة تستوجب جوابًا، وليس كل استفزاز يستحق أن ندخل معه في معركة كلامية. أحيانًا يكون الصمت المؤقت أكثر حكمة من الرد السريع.

ثم يصل بنا الإمام صلوات الله وسلامه عليه بقوله: (وليس كل ما حان وقته صح قوله). فقد يأتي الوقت المناسب، ويحضر الشخص المناسب، ومع ذلك قد يكون الكلام في ذاته غير صحيح أو غير دقيق. وهنا تظهر مسؤولية التثبت.

ولهذا فإن المجتمع يحتاج اليوم إلى ثقافة التثبت أكثر من أي وقت مضى. قبل أن نحكم على إنسان مؤمن، علينا أن نعرف الحقيقة. وقبل أن ننقل خبرًا، علينا أن نتحقق منه. وقبل أن نشارك منشورًا يمس سمعة شخص أو أسرة أو مؤسسة، علينا أن نسأل أنفسنا: هل أملك دليلًا على صحة ما أنشر؟ وهل نشره سيحقق خيرًا أم سيؤدي إلى ضرر؟

إن الكلمة مسؤولية، لأنها قد تبني وقد تهدم، وقد تصلح وقد تفسد، وقد تزرع المحبة وقد تفتح أبواب العداوة. لذلك فإن الحكمة تقتضي أن نفكر في أثر الكلمة قبل أن نفكر في رغبتنا في قولها.

وفي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من حياتنا، لم يعد ضبط اللسان مقتصرًا على الكلام الذي يخرج من الفم، بل أصبح يشمل ما نكتبه ونصوره ونرسله ونعلّق عليه. فالتغريدة، والتعليق، والرسالة، والمقطع، وإعادة النشر، كلها أشكال من الكلام، وكلها تحمل مسؤولية رسالية وأخلاقية.

إن المجتمع الذي يحترم الكلمة هو مجتمع يحترم بعضه بعضا. وعندما نتعلم أن نحفظ أسرار الآخرين، وأن نتثبت من الأخبار، وأن لا نتدخل فيما لا يعنينا، وأن نختار الوقت المناسب للنصيحة، وأن ننتقد الفكرة دون أن نهين صاحبها، فإننا نساهم في بناء علاقات أكثر استقرارًا ومجتمع أكثر ترابطًا.

رسالة أمير المؤمنين صلوات الله عليه تدعونا إلى أن نجعل عقولنا حارسًا لألسنتنا، وأن نجعل الأخلاق ميزانًا لكلماتنا، وأن ندرك أن بعض الكلام إذا خرج لا يمكن إرجاعه، وأن الإنسان الحكيم ليس من يقول كل ما يعرف، بل من يعرف ما ينبغي أن يقال، وما ينبغي أن يُحفظ، ومتى ينبغي أن يقال.

والحمد لله ربّ العالمين

والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين

أبو يقين