أنت حرٌ أم عبد
ثقافة عامة١٧ سبتمبر ٢٠٢٦

أنت حرٌ أم عبد

من أكثر الكلمات التي تتردد على السنة الشباب في هذه الأيام كلمة (الحرية). فيقول: أنا حر، أقول ما أشاء، وأفعل ما أشاء، وألبس ما أشاء، وأختار ما أشاء، ولا يحق لأحد أن يفرض عليّ شيئًا. حتى أصبح…

حجم النص:
شارك:

يقول الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام: (مَن قام بشرائط العبوديّة أهلٌ للعتق، ومَن قصّر عن أحكام الحرّيّة أعيد إلى الرِّق

هل أنتَ حُرٌّ أم عبد؟

من أكثر الكلمات التي تتردد على السنة الشباب في هذه الأيام كلمة (الحرية). فيقول: أنا حر، أقول ما أشاء، وأفعل ما أشاء، وألبس ما أشاء، وأختار ما أشاء، ولا يحق لأحد أن يفرض عليّ شيئًا. حتى أصبح مفهوم الحرية عند كثير من الناس مساويًا تمامًا لفكرة الانفلات من كل قيد، وكأن الإنسان لا يكون (حرًا ) إلا إذا استطاع أن يفعل كل ما يخطر في نفسه، وأن يستجيب لكل رغبة تتحرك في داخله.

ولكن لو توقف الإنسان لحظة، بعيدًا عن الشعارات، وسأل نفسه سؤالًا بسيطًا: هل أنا فعلًا حر؟ لربما اكتشف أن المسألة ليست بهذه البساطة. هل الإنسان الذي لا يستطيع أن يسيطر على غضبه حر؟ وهل الذي لا يستطيع أن يمنع نفسه عن شهوة محرمة حر؟ وهل الذي لا يستطيع أن يمسك لسانه عن الغيبة والنميمة والطعن في الناس حر؟ وهل الذي يعيش أسيرًا لرأي الآخرين، أو للمال، أو للشهرة، أو للمظاهر، أو لرغباته، يمكن أن يقول عن نفسه إنه حر لمجرد أنه يستطيع أن يفعل ما يشاء؟

إن الإنسان قد يتوهم أنه تحرر من كل شيء، بينما هو في الحقيقة انتقل من عبودية إلى عبودية أخرى، فقد يتحرر من سلطة إنسان، ليصبح عبدًا لشهوته، وقد يتحرر من رقّ المال، ليصبح عبدًا للمال نفسه، وقد يرفض أن يخضع للقيم والدين بحجة الحرية، ثم لا يستطيع أن يخالف رغبة من رغبات نفسه. وهنا تبدو المفارقة الكبرى: قد يرفع الإنسان شعار (الحرية)، وهو لا يملك نفسه أصلًا.

ولعل كلمات أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام تكشف لنا عمق هذا المعنى حين يقول: مَن قام بشرائط العبودية أهلٌ للعتق، ومَن قصّر عن أحكام الحرية أُعيد إلى الرق . فالإنسان في مدرسة أمير المؤمنين عليه السلام لا يُقاس حُرًّا بمجرد أنه لا يعيش تحت سلطة إنسان آخر، وإنما الحرية الحقيقية أعمق من ذلك بكثير. فالذي يعرف عبوديته لله يتحرر من كل عبودية سواه، والذي يرفض عبودية الله قد يقع في عبودية نفسه وهواه وشهواته من حيث لا يشعر.

إن الله سبحانه وتعالى حين خلق الإنسان لم يخلقه عبثًا، ولم يتركه بلا غاية، بل قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فالإنسان في أصل وجوده عبد لله، وهذه العبودية ليست إهانة للإنسان ولا انتقاصًا من كرامته، بل هي أعظم عنوان لتحريره؛ لأنك حين تكون عبدًا لله، فإنك لا تكون عبدًا لشهوة، ولا عبدًا لغضب، ولا عبدًا لرأي الناس، ولا عبدًا للمال، ولا عبدًا لمخلوق. العبودية لله تضع الإنسان في المكان الصحيح، وتحرره من أن يميل قلبه لكل ما سوى الله.

ومن هنا نفهم أيضًا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. فالإنسان لم يُخلق بصورة حسنة فقط، وإنما أُعطي عقلًا وفطرةً ووجدانًا واستعدادًا للكمال. والخلق في أحسن تقويم يضع أمام الإنسان مسؤولية المحافظة على هذا التقويم وعدم تشويهه بالمعصية والانحراف. فالإنسان ليس جسدًا فقط حتى تكون العناية به مرتبطة بشكله وهيئته، وإنما هو عقل وروح ولسان وسلوك وأخلاق ومشاعر. ولذلك جاءت الشريعة لتربي الإنسان في كل هذه الجوانب، فتوجهه في مظهره، وفي كلامه، وفي نظره، وفي علاقته بالآخرين، وفي طعامه وشرابه، وفي غضبه وشهوته، وفي معاملاته، وفي خلواته كما في علانيته.

فالإسلام لا يريد إنسانًا جميل المظهر قبيح السلوك، ولا يريد لسانًا فصيحًا وقلبًا مريضًا، ولا يريد عبادةً في المسجد وسوء أخلاق في البيت، ولا يريد إنسانًا يتحدث عن (الحرية) وهو عاجز عن السيطرة على نفسه. إن التربية الإلهية تريد أن تصنع الإنسان من الداخل والخارج، وأن تجعل كل ما يصدر عنه منسجمًا مع الغاية التي خلق من أجلها.

في منطق الإيمان ليس كل ما يستطيع الإنسان فعله يجوز له أن يفعله. هذا الجسد أمانة، وهذه العين أمانة، وهذا اللسان أمانة، وهذه اليد أمانة، وهذا العمر أمانة. وسيأتي اليوم الذي يُسأل فيه الإنسان عن هذه النعم وكيف استخدمها. (فالحرية) لا تعني أن تتحول الأمانة إلى ملكية مطلقة بلا مسؤولية، وإنما تعني أن الإنسان يملك القدرة على الاختيار، ثم يتحمل نتيجة اختياره.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق سؤال: (هل أستطيع أن أفعل؟) هو سؤال آخر أكثر عمقًا: (هل ينبغي لي أن أفعل؟). فالإنسان العاقل لا يقيس الأمور بقدرته عليها فقط، وإنما يقيسها بالحق والخير والرضا الإلهي. ليس كل ما تستطيع فعله يليق بك، وليس كل ما تشتهيه نفسك صالحًا لك، وليس كل ما يفعله الناس جديرًا بأن تفعله أنت.

إن الإنسان الذي ينسى الحساب الأخروي قد يعيش وكأن أفعاله تنتهي بمجرد وقوعها، لكن القرآن يذكره بحقيقة أخرى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. هناك يوم لا تنفع فيه شعارات الحرية الزائفة ، ولا يستطيع الإنسان أن يقول: (كنت حرًا) لأن السؤال سيكون: ماذا فعلت بعقلك؟ ماذا فعلت بلسانك؟ ماذا فعلت بعينيك؟ ماذا فعلت بجسدك؟ ماذا فعلت بعمرك؟ وماذا فعلت بالنعم التي منحك الله إياها؟

وعندما نتأمل في كلام الإمام علي عليه السلام: «مَن قام بشرائط العبودية أهلٌ للعتق، ومَن قصّر عن أحكام الحرية أُعيد إلى الرق»، نجد أن القضية تنقلب تمامًا. فالذي يلتزم بعبوديته لله يصبح أهلًا للعتق من عبودية ما سواه، أما الذي يظن أنه حر لأنه رفض طاعة الله، فقد يعود إلى الرق، ولكن بصورة أخرى؛ رق الشهوة، ورق الهوى، ورق الدنيا، ورق الناس.

فهل أنت حُرٌّ لأنك تفعل ما تشاء، أم أنك عبدٌ لما تشاء

والحمد لله ربّ العالمين

والصلاة والسلام على نبينا محمد آله الطيبين الطاهرين

أبو يقين .