فهل من معتبِر؟!
ثقافة عامة٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦

فهل من معتبِر؟!

لكن بعض القلوب تنام نومًا عميقًا حتى لو اهتز العالم من حولها. نحذَّر من الانقسام، فنزداد انقسامًا، ونحذَّر من الظلم، ثم نمارسه على من حولنا، ونحذَّر من الفساد، ثم نتعايش معه حتى يصبح مألوفًا. وكأن المشكلة لم تعد في نقص التحذير، وإنما في شدة الغفلة؛ فالكلمات كثيرة، والعبر كثيرة، والأصوات كثيرة، لكن القلب الذي لا يريد أن يستيقظ لن توقظه كثرة الأصوات. فهل من معتبر؟!

حجم النص:
شارك:

قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: وَلَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ، وَأُسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ، وَهُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ؛ وَبِحَقٍّ أَقَولُ لَكُمْ: لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ العِبَرُ، وَزُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ، وَمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللهِ بَعْدَ رُسُلِ السَّماءِ إِلَّا البَشَرُ.

ما أعظمَ كلامَ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ! كلماتٌ تلامس القلب، وحِكَمٌ تنير العقل، وبلاغةٌ تأسر النفوس. سلامٌ على عليٍّ، ما بقي للحق صوتٌ، وللحكمة أثرٌ، وللبيان جمال..

لقد بُصِّرتم إن أبصرتم؛ فكم من موقف كان فيه من الدروس ما يكفي لتغيير حياة إنسان، وكم من حادثة كشفت حقيقة طريقٍ أو شخصٍ أو موقف، وكم من تجربة أخبرت الإنسان بما ينبغي أن يفعله وما ينبغي أن يتجنبه، ولكن بعض الناس لا يتعلمون إلا بعد أن يدفعوا الثمن بأنفسهم. والعاقل ليس من ينتظر أن تحترق يده حتى يصدق أن النار مؤذية، وإنما العاقل من يتعلم من احتراق يد غيره، ومن يرى العاقبة فيعتبر قبل أن يصل إليها. فهل من معتبر؟!

ثم قال صلوات الله وسلامه عليه: وأُسْمِعتم إن سمعتم. لقد وصل إليكم الصوت؛ صوت الحكمة، وصوت التجارب، وصوت الدين، وصوت الواقع، وصوت أولئك الذين سبقوكم إلى الطريق وعرفوا مواضع الخطر فيه. سمعتم من يقول: لا للظلم، لا للفساد، لا لتمزيق المجتمع، لا للقطيعة، لا للعداوة، ولا لاتباع الهوى. لكن السمع الحقيقي ليس أن تدخل الكلمات إلى الأذن، وإنما أن تتجاوز الأذن إلى القلب، ثم تنتقل من القلب إلى السلوك. فما أكثر ما نسمع من النصائح، ثم نتصرف وكأننا لم نسمع شيئًا، وما أكثر الكلمات التي تمر على الأسماع ثم تسقط عند حدود الأذن، فلا توقظ ضميرًا ولا تغيّر موقفًا. فهل من معتبر؟!

ثم قال صلوات الله وسلامه عليه: وهُدِيتُم إن اهتديتم. لقد كان طريق الهداية واضحًا، ولم تُترك البشرية بلا دليل أو ميزان؛ فقد جاءت الرسالات، وبُيّنت سبل الخير، وحُذّر الإنسان من طرق الانحراف، وبقيت آثار الأنبياء والأوصياء عليهم السلام والصالحين وأهل الحكمة شاهدة على الطريق. ولكن بعد أن يعرف الإنسان الطريق، تبقى الخطوة منه؛ فالهداية تحتاج إلى قلب يقبلها وإرادة تسلكها. وما أهدى من طريق أهل البيت عليهم السلام لمن أراد أن يجعل من الإيمان أخلاقًا، ومن المعرفة عملًا، ومن المحبة مسؤولية، ومن الدين منهجًا للحياة. فهل من معتبر؟!

ثم تأتي الحقيقة التي لا يستطيع الإنسان أن يهرب منها: لقد جاهرتكم العِبر. لم تعد العِبر خفية، ولم تعد الدروس تحتاج إلى البحث عنها في صفحات التاريخ وحدها؛ إنها أمام أعيننا، في واقعنا، وفي حياة الناس من حولنا. كم من مجتمع تمزق حين غاب عنه العدل، وكم من أسرة تباعد أفرادها حين تراجعت الأخلاق، وكم من إنسان خسر نفسه حين جعل العناد والغرور أقوى من صوت العقل. هذه ليست مجرد أحداث عابرة، بل رسائل تقول لنا بوضوح: انتبهوا قبل أن تتكرر المأساة، وتعلموا قبل أن تصبحوا جزءًا من الدرس. فهل من معتبر؟!

لكن العبرة الحقيقية ليست أن نشير بأصابعنا إلى أخطاء الآخرين، ونقول: انظروا ماذا فعلوا، وإنما أن نتوقف أمام كل حادثة ونسأل أنفسنا: ماذا تقول لنا؟ وماذا لو كنا نسير في الطريق نفسه؟ فليس المهم أن نعرف لماذا سقط غيرنا فقط، بل أن نعرف كيف نتجنب السقوط نحن. وليس من الحكمة أن نحزن على نتائج الخطأ بعد وقوعها، بينما نتجاهل أسبابه وهي تتكرر أمامنا. فهل من معتبر؟!

ثم قال صلوات الله وسلامه عليه: وزُجِرتم بما فيه مُزدجر. لقد جاءت التحذيرات، وتكررت التنبيهات، وامتلأت الحياة بالدروس التي كان يمكن أن توقظ أمة بأكملها، لكن بعض القلوب تنام نومًا عميقًا حتى لو اهتز العالم من حولها. نحذَّر من الانقسام، فنزداد انقسامًا، ونحذَّر من الظلم، ثم نمارسه على من حولنا، ونحذَّر من الفساد، ثم نتعايش معه حتى يصبح مألوفًا. وكأن المشكلة لم تعد في نقص التحذير، وإنما في شدة الغفلة؛ فالكلمات كثيرة، والعبر كثيرة، والأصوات كثيرة، لكن القلب الذي لا يريد أن يستيقظ لن توقظه كثرة الأصوات. فهل من معتبر؟!

وأمام كل ذلك تأتي الكلمة الأخيرة لتضع الإنسان أمام مسؤوليته: وما يُبلّغ عن الله بعد رسل السماء إلا البشر. بعد الأنبياء، لا ينتظر الإنسان أن ينزل إليه ملاك في كل مرة ليذكره بالحق، وإنما قد تأتيه كلمة الهداية على لسان عالم مخلص، أو أب صادق، أو أم ناصحة، أو واعظ نقي، أو صديق يحب له الخير، أو إنسان عابر في حياته يقول له كلمة صادقة في الوقت الذي يكون فيه أحوج ما يكون إليها. ولكن الإنسان أحيانًا يصغي إلى الجاهل لأنه يوافق هواه، ويتجاهل الحكيم لأنه يقول له ما لا يريد أن يسمعه. فهل من معتبر؟!

لذلك، ليست القضية أن تكون الحقيقة بعيدة عنا، بل أن تكون قريبة منا ولا نلتفت إليها؛ وليست المشكلة أن لا نرى، بل أن نرى ولا نبصر، وأن نسمع ولا نعي، وأن نعرف ولا نعمل. ويبقى النداء حاضرًا في كل زمان: لقد بُصِّرتم إن أبصرتم، وأُسْمِعتم إن سمعتم، وهُدِيتُم إن اهتديتم، لقد جاهرتكم العِبر، وزُجِرتم بما فيه مُزدجر… فهل من معتبر؟!

والحمد لله ربّ العالمين

والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين

أبو يقين