قبل أن يطرح الحجاب
غير مصنّف٣٠ يونيو ٢٠٢٦

قبل أن يطرح الحجاب

حجم النص:
شارك:

قبل أن يُطرح الحجاب

يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام):

(فإنكم لو قد عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم ووهلتم وسمعتم وأطعتم، ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا، وقريب ما يُطرح الحجاب).

هذه الكلمة لأمير المؤمنين عليه السلام ليست موعظة عابرة، بل خطاب يقف عند مفترق الطريق بين الغفلة واليقظة، موجَّهًا إلى المؤمنين جميعًا، وإلى طالب العلم على نحوٍ أخصّ وأدقّ باعتبار اذكره. فهي تذكير بأن الفارق بين الإنسان في الدنيا والإنسان بعد الموت ليس في الحقيقة نفسها، بل في كونها محجوبة هنا، مكشوفة هناك.

إن المؤمن، ما دام يعيش في زمن الغيب، مطالب بأن يجعل الإيمان دافعًا للعمل، لا انتظارًا للمعاينة. فلو انكشفت الحقائق كما تنكشف لأهل القبور، لانقادت النفوس قهرًا، ولسار الإنسان إلى الطاعة بلا تردّد، لكن حينها لا يكون للطاعة وزن، ولا للعمل قيمة، لأن زمن الاختيار يكون قد انقضى.

وهنا تتضاعف المسؤولية على طالب العلم، وهذه جهة نظر، لأنه أكثر وعيًا بقرب الآخرة، وأشدّ معرفة بعواقب التقصير. فالحجاب الذي يحول دون المعاينة ليس مبررًا للتهاون، بل هو ميدان للاجتهاد، وفسحة للجدّ، وفرصة لاختبار الصدق مع الله. وكل تقاعس في هذا الزمن إنما هو تفريط في رأس مال لا يُعوّض.

وقوله (عليه السلام): (وقريب ما يُطرح الحجاب) يوقظ في قلب المؤمن إحساس العجلة، وفي نفس طالب العلم إحساس المحاسبة المسبقة. فالقرب هنا ليس قرب الزمن فحسب، بل قرب المفاجأة؛ إذ ما أسرع أن ينتقل الإنسان من دار الستر إلى دار الكشف، ومن مقام العمل إلى مقام السؤال.

إن المطلوب من المؤمن أن يعيش وكأن الحجاب قد رُفع عن قلبه، فيراقب سلوكه، ويُحسن طاعته، ويستعدّ للقاء ربه. والمطلوب من طالب العلم، فوق ذلك كله، أن يُجدّ في تحصيله، ويجتهد في تهذيب نفسه، ويحمل علمه على محمل الأمانة، لا العنوان ولا المكسب. فالعلم إن لم يُثمر عملًا، كان حُجّة، لا نجاة.

وهكذا تختصر هذه الكلمة العظيم طريق النجاة كلّه: أن نعمل اليوم في زمن الحجاب، قبل أن يأتي الغد الذي تُطرح فيه الحجب، فلا ينفع ندم، ولا يُقبل اعتذار، ولا يبقى للإنسان إلا ما قدّمه بيديه. فطوبى لمن سمع فأطاع قبل أن يُضطر إلى السمع والطاعة بعد فوات الأوان.

ودمتم بخير

أبو يقين