
أين نحن من عليّ عليه السلام
أين نحن من عليّ عليه السلام
حين نقرأ سيرة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، نرى أنه كان عليه السلام يلتزم لأنه يؤمن، لا لأنه مُجبر. لم يكن ينتظر مقابلًا، ولا يخشى خسارة، فنام في فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الهجرة وهو يعلم أن السيوف تحيط بالمكان. أما نحن، فنحسب ألف حساب قبل أن نلتزم بموقف حق، وننسحب عند أول تهديد لمصلحة أو صورة اجتماعية، أو تقديم جهد، أو تقديم وقت، أو تقديم مالاً..
الالتزام عند الإمام علي عليه السلام لم يكن شعارًا يُرفع في الخطب، بل ممارسة يومية. كان يعدل حتى مع من خالفه، ويحاسب نفسه قبل ولاته، ويرى في السلطة عبئًا ثقيلًا. واليوم، تحوّل الالتزام عند كثيرين إلى خطاب جميل، يُقال ولا يُعاش، ويُستدعى عند الحاجة، ويُهمَل حين يكلّف ثمنًا.
كان الإمام علي عليه السلام يربط الالتزام بالمسؤولية، ونحن ربطناه بالمصلحة. نلتزم ما دام الالتزام لا يُغضب أحدًا، ولا يُنقص مكسبًا، ولا يُربك علاقات. فإذا تعارض الحق مع الراحة، اخترنا الراحة، ثم بحثنا عن تبرير يُجمّل الانسحاب.
عند الإمام علي عليه السلام لا ذريعة للتقصير. أما اليوم، فصرنا نُحمّل الظروف كل أخطائنا: ضيق الوقت، قسوة الحياة، تعقيد الواقع. نعرف أن الصدق واجب، لكننا نكذب “اضطرارًا”، ونعرف أن الأمانة قيمة، لكننا نخون “مجاملة”، ونعرف أن الظلم خطيئة، لكننا نصمت “حكمة”.
كان الإمام علي عليه السلام يخدم الناس في الخفاء، ويهرب من الثناء، لأن الالتزام الحقيقي لا يحتاج جمهورًا. أما نحن، فقد اعتدنا التزامًا استعراضيًا، لا يعيش إلا أمام الكاميرا، ولا يصمد في الغياب. فإن غاب الرقيب، غابت القيم، وكأن الله لا يرى إلا ما نُعلن.
الأخطر من ترهّل الالتزام أننا لم نعد نشعر بالذنب. تعايشنا مع التناقض: نتغنى بعدل الإمام علي عليه السلام، ونبرر ظلمنا الصغير. نمجّد زهده، ونُقدّس شهواتنا. نرفع اسمه في المناسبات، ثم نغلق كتبه في الحياة اليومية.
وسيرة الإمام علي عليه السلام لا تُكتب لتزيين التاريخ، بل لتدين الحاضر إن لزم الأمر. فهي لا تسألنا: هل نُحب عليًا؟ بل تسألنا بجرأة أشد: هل نعيش شيئًا من التزامه؟
فإما أن نقرأ الإمام علي عليه السلام باعتباره قدوة تدفعنا للتغيير، أو نكتفي بتحويله إلى رمز نرتاح بمدحه، ونبقى كما نحن… مترهلين، ومتفرجين على القيم وهي تنسحب من حياتنا بصمت.
ودمتم بخير
أبو يقين


