
المؤمن أخوك فلا تظلمه
عن صادق أهل البيت عليهم السلام: (المؤمن أخو المؤمن؛ عينه ودليله، لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشّه، ولا يَعِدُه عدةً فيُخلفه).
المؤمن أخوك فلا تظلمه
عن صادق أهل البيت عليهم السلام: (المؤمن أخو المؤمن؛ عينه ودليله، لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشّه، ولا يَعِدُه عدةً فيُخلفه).
أراد الإمام صلوات الله وسلامه عليه أن يؤسس في هذه الرواية حياة المؤمن وعلاقته بأخيه. فالإمام عليه السلام اختار كلمة (الأخوّة) وهي كلمة تحمل في أعماقها معنى القرب، والرحمة، والنصرة، والأمان، والشعور بالمسؤولية تجاه الآخر. فالأخوّة في منطق الإيمان ليست مجرد علاقة عاطفية أو لفظاً يتبادله الناس، وإنما هي حالة من التراحم والتكافل تجعل المؤمن يشعر أن أخاه ليس إنساناً بعيداً عنه، وأن ما يصيبه يعنيه، وأن ضعفه يستدعي نصرته، وحاجته تستوجب الوقوف إلى جانبه، وأن حفظه في غيبته من تمام حفظ كرامته في حضوره.
يبدأ الإمام صلوات الله عليه بقوله: (عينه ودليله) فالمؤمن لا يعيش لنفسه فقط، ولا ينظر إلى أخيه بعين المراقبة والانتظار حتى يخطئ، بل يكون له عيناً يرى بها ما قد لا يراه، ودليلاً يأخذ بيده حين تلتبس عليه الطرق. وقد يكون الإنسان في بعض مراحل حياته عاجزاً عن رؤية الخطر الذي يقترب منه، أو لا ينتبه إلى خطأ يقع فيه، أو يتردد أمام طريق لا يعرف عاقبته، وهنا تظهر قيمة الأخ المؤمن؛ ويتحول إلى عين تحرسه ودليل يعينه على الكون أمنًا في الدنيا والأخرة.
وإذا كانت الأخوّة الحقيقية تقتضي أن يكون المؤمن عيناً لأخيه ودليلاً له، فإنها تقتضي قبل ذلك أن يكون موضع أمان له؛ ولذلك جاء النهي الصريح: (لا يخونه) فالخيانة تهدم العلاقة من جذورها، لأنها لا تسلب الإنسان شيئاً مادياً فحسب، وإنما تسلبه الشعور بالأمان. وما أقسى أن يمنح الإنسان أخاه ثقته ثم يكتشف أن هذه الثقة لم تكن في موضعها. قد يأتمنه على سر، أو مال، أو مسؤولية، أو موقف، أو كلمة، ثم يجد أن ما ائتمنه عليه قد أصبح وسيلة للإضرار به. والمؤمن حين يستحضر معنى الأخوّة يراها أمانة وضعها الله في عنقه. ولذلك يكون حفظ السر أمانة، وحفظ المال أمانة، وحفظ السمعة أمانة، وحفظ الغائب في غيبته أمانة، وكل ما يتصل بثقة الإنسان بأخيه داخل في هذا المعنى العظيم.
ثم تأتي كلمة (ولا يظلمه) لتضع الأخوّة أمام امتحان آخر، لأن الإنسان قد يكون قريباً من أخيه في أوقات الصفاء، لكن حقيقة الإيمان تظهر حين يقع الاختلاف. فكم من علاقة جميلة انهارت حين غضب أصحابها، وكم من أخوّة تحولت إلى خصومة لأن أحد الطرفين لم يستطع أن يضبط غضبه أو أن يحفظ العدل حين اختلف مع الآخر. والرواية لا تجعل الأخوّة مشروطة باتفاق دائم، وإنما تجعل من مقتضياتها أن يبقى الإنسان عادلاً حتى في حال الاختلاف. فلا يظلم أخاه لأنه خالفه، ولا ينتقص من حقه لأنه أغضبه، ولا يشوه صورته لأنه لم يوافقه، ولا يستغل نقطة ضعفه لينتصر عليه. إن العدل ليس خلقاً نمارسه عندما نحب الناس فقط، وإنما هو اختبار حقيقي حين تتغير مشاعرنا تجاههم. ولذلك فإن من أعظم صور الإيمان أن يختلف الإنسان مع أخيه ويبقى في داخله حاجز يمنعه من الظلم، لأن الأخوّة عند المؤمن أعمق من الانفعال العابر، وأقوى من لحظة الغضب.
ثم يقول الإمام صلوات الله عليه: (ولا يغشّه) الرواية تريد أن تطهر العلاقة الإيمانية من كل صور الالتواء والخداع. فالغش ليس محصوراً في التجارة والمعاملات، وإنما قد يكون في الكلمة، والمشورة، والنصيحة، والموقف، وحتى في إظهار المحبة وإخفاء إرادة الضرر. وقد يغش الإنسان أخاه حين يعلم أنه يسير في طريق خاطئ ثم يتركه، أو حين يعرف حقيقة يحتاج إليها ثم يحجبها عنه لمصلحة شخصية، أو حين يظهر له النصح وهو في داخله يريد سقوطه. ولذلك تصبح الصراحة عنده رحمة، والنصيحة وفاء، والصدق نوعاً من الحماية.
تختم الرواية بقول الإمام عليه السلام: (ولا يَعِدُه عدةً فيُخلفه) لأن الوعد في ظاهره كلمة، لكنه في حقيقته قد يكون أملاً يعلّقه الإنسان على هذه الكلمة. حين تقول لأخيك: سأكون معك، أو سأساعدك، أو سأقضي حاجتك، فإنك قد لا تدرك حجم الأثر الذي تركته كلماتك في نفسه. ربما بنى عليها قراراً، أو أخر أمراً، أو اطمأن إلى أنك ستكون إلى جانبه. فإذا أخلفت وعدك من غير عذر، لم تكن قد أخلفت كلمة فحسب، بل ربما خذلت قلباً وثق بك. إن صدق الإنسان لا يظهر فقط فيما يقول، بل فيما يلتزم به بعد أن يقول.
حين يسود هذا النهج في العلاقات بين الأخوة، يصبح المجتمع أكثر أمناً وطمأنينة؛ لأن الناس لا يعودون يخافون بعضهم بعضاً، ولا يتعاملون بمنطق الشك والحذر، بل يشعر كل إنسان أن له في الإيمان أخاً يحفظه إذا غاب، وينصحه إذا أخطأ، وينصره إذا احتاج، وينصفه إذا اختلف معه، ويصدق معه حتى في المواضع التي يكون فيها الصدق ثقيلاً.
وعندها تتحول الأخوّة من كلمة جميلة نتداولها إلى واقع حيّ، وتصبح العلاقات الإنسانية امتداداً للأخلاق التي يريدها الله تعالى لعباده.
والحمدلله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على نبينا وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين
أبو يقين


